ربما يحق للسودانيين أن يسمونه مترجم الطيب صالح لأنه ترجم قصصه وأعماله الروائية الأولى (عرس الزين وموسم الهجرة إلى الشمال) إلى الإنجليزية (بدري جداً). إذ ترجم موسم الهجرة بعد نشرها في مجلة "حوار" حوالي عام 1967(فيما أظن)، وقبل أن يحتفي بها العالم العربي بشكل واسع، وربما قبل ظهورها في طبعة دار الهلال في مايو 1969 وبها التعليق المشهور للكاتب والناقد الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا على الغلاف الأخير من أنها (أحسن رواية ظهرت في الأدب العربي على الإطلاق).
الكتاب الصغير نسبياً (139 صفحة) ممتع، لكن اللغة الانجليزية قد تقف حاجزاً دون تمتع الكثيرين بقراءته. لذلك فما يلي ليس عرضاً للكتاب بقدر ما هو سياحة فيه أو تلخيص له. فمن يتبرع بترجمته إلى العربية؟-على الأقل من باب رد الفضل، وعرفاناً بدور السيد/ جونسون- ديفز في ترجمة القصة العربية والرواية وتعريف قراء الانجليزية بهما بمثابرة امتدت لأكثر من نصف قرن من الزمان.
1. مقدمـــة
إن الكتاب ليس "ذكريات في الترجمة" وإنما هو حقيقة حياة في الترجمة، إذ رفض السيد/ جونسون- ديفز (اسم مركب، لكن لأغراض العرض سأكتفي بديفز) أسر وظيفة وتكبيل بيروقراطيتها، بما في ذلك السلك الدبلوماسي البريطاني. وتقلَّب في الوظائف الصغيرة وركلها وربما لا يضاهيه في ذلك إلا تقلُّب الشاعر فضيلي جمَّاع في الوظائف الذي قلت له ذات مرة إنه عادةً يستقيل أولاً ثم يفكِّر في البديل. وهو شيء لا يفعله العاديون من أمثالنا الذين (لا يطلِقون) فرعاً إلا أذا أمسكوا بفرع آخر، اللهم إلا الذين أجبرهم سيف الإنقاذ أن (يفكوا) أيديهم من فروع وظائفهم فتتلقفهم العناية الإلهية مؤكدة الاعتقاد الشعبي العميق (أحب الله المو سْر زول) أو الحكمة الشعبية القائلة (الجاب كتَّالك بجيب حجَّازك). لقد وجد أغلبهم بدائل أفضل وفتحت أعينهم على أن أبواب الرزق مشرعة في غير وظائف الدولة.
2. سيــرة ذاتيــة
ولد دنيس جونسون- ديفز في كندا (لم يُذكر التاريخ) وقضى جزءاً من طفولته في كل من وداي حلفا والقاهرة و يوغندا وكينيا، و درس بجامعة كيمبردج في منتصف الثلاثينات (من القرن الماضي). وعاصر في الدراسة كُلاًّ من لويس عوض وأبا ايبان (وزير خارجية إسرائيل في السبعينات)، وكانا يسبقانه في الجامعة. ثم عمل بهيئة الإذاعة البريطانية في أعوام 1941-1945.
كان أول اتصال له بالعالم العربي وآدابه في القاهرة عندما انتقل إليها في 1945 مترجماً بالمجلس البريطاني، وتعرَّف عن طريق لويس عوض وآخرين بمجتمع الأدباء وارتاد منتدياتهم ونشر ترجماته محلياً. ثم التحق أستاذاً للغة الانجليزية بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة لاحقاً) واستقال منها 1949. ذهب بعدها إلى طهران لمدة عام (1949) كممثِّل لشركة لطباعة العملة في الشرق الأوسط متمركزاً في طهران، وقضى عام سياحة بعدها في العالم العربي حيث ذهب أولاً إلى بغداد والتقى صديقه جبرا إبراهيم جبرا. ثم عمل كممثِّل لشركة بترول أمريكية في قطر (1951). ثم عاد إلى لندن ليمكث بها مدة طويلة 1954-1969. وقد مكث هذه المدة في لندن وهو لها كاره كما يقول.
في الفترة التي قضاها في لندن قاوم أي شيء يجعله أسيراً لوظيفة، فدرس القانون بالمراسلة ونجح وعمل بالمحاماة، ثم أنشأ مكتباً للترجمة صار ملتقى للأدباء والكتَّاب العرب الذين يرتادون لندن. وفي هذه الفترة أصدر مجلة (أصوات) التي نشر فيها لعدد من كبار الكتَّاب حينها، ثم صار مسئولاً عن إصدار مجلة تلفزيونية (أصوات وأضواء) موجَّهة للعالم العربي، ترسل لمحطات التلفزيون العربية المختلفة واستمرت لمدَّة عامين.
وفي عام 1969 قرر أنه لا يستطيع العيش (أو البقاء) في انجلترا فعيِّن مسئولاً عن محطة إذاعة بدولة الإمارات (بدرجة سكرتير أول). وعند تسليم الإذاعة للشيخ راشد حاكم دبي في عام 1970 قدَّم له الأخير عرضاً بضعف مرتبه للاستمرار، فسأل ديفز الشيخ راشد لماذا يختار شخصاً انجليزياً لإدارة إذاعة عربية. فأجابه الأخير أنه أدار الإذاعة بصورة كفؤة وذلك هو ما يهمَّه. وهو مؤشر كما نرى (موروث) ودليل على براقماتية حكام الإمارات والذي أدى إلى تقدُّم دولتهم بخطى واثقة إلى داخل العصر.
اعتذر السيد ديفز عن عرض الشيخ راشد المغري، ويقول إنه "شعر بأنه قد آن أوان الرحيل" فاتصل بصديقه يوسف الخال في بيروت ليبحث له عن شقة للسكن فحطَّ الرحال في بيروت. وهنالك قابل من ضمن آخرين ليلى بعلبكي ومحمد زفزاف و زكريا تامر وآخرين . وقد شعر بعد حين أن بيروت ليست المكان المناسب له وسيعود إلى مصر في النهاية. وفعلاً شد الرحال من جديد إلى القاهرة في عام 1974. بعد هذا ضاعت دروب الترحال والوظائف ولم يذكرها بالتتالي ولكن ذكر أنه عاش في أسبانيا وفرنسا واستقر في المغرب مفضلاً إياها على القاهرة.
3. قصـــة مجلـــة "حــوار"
يقول ديفز إنه وفي نهاية الستينات عندما كان يصدر دورية "أصوات" زاره أحدهم (أمريكي الجنسية) و يُدعى جون هنت من مؤسسة اسمها (كونقرس) الحرية الثقافية، وهي المؤسسة التي مولت إصدار مجلات ثقافية في كل من انجلترا (مجلة انكاونترEncounter الشهيرة) وفرنسا وألمانيا، وأن المؤسسة تنوي تمويل مجلة ثقافية باللغة العربية. وسأله هنت عمَّا إذا كان يعرف شخصاً أو يرشح شخصاً يمكنه أن يكون مسئولاً عنها (ص 70-71). يقول أن اسم يوسف الخال قد ورد كمرشح لأنه معروف وقام بإصدار مجلة " شعر " وأنه صاحب قاليري لعرض الأعمال الفنية، لكنه- أي ديفز- رأى أن الشاعر توفيق صايغ ربما كان الأنسب لأن ذلك سيخرجه من جو الأكاديميات إذ كان في جامعة لندن- كلية العلوم الشرقية- إلى خبرة مختلفة، ففاتحه في الأمر. وقد كانت إجابة صايغ أنه سيقبل شريطة أن تكون له كل الحرية في كل أمور المجلة. وقد كان.
صدرت فصلية " حوار " – وقد احتوت في أحد أعدادها على رواية موسم الهجرة إلى الشمال كاملة. واتضح بعد حين أن عدداً من الكتَّاب العرب لم يكونوا (مرتاحين) من موضوع تمويل المجلة. فقد جاء ذكر ذلك في احدى الأمسيات في شقة ديفز بلندن إذ دار النقاش بين توفيق صايغ وجبرا إبراهيم جبرا و ديفز. وسألهما صايغ بضيق عن لماذا لا يكتبان لـ" حوار" في الوقت الذي كتب فيه هو نفسه وجبرا لـ" أصوات" التي يصدرها ديفز. و كانت إجابة الأخيرين أنهما لا يستطيعان الكتابة لـ" حوار" في الوقت الذي تحوم فيه الشكوك حول تمويلها، ومن ثم نصحاه بالذهاب إلى باريس لمقابلة المموِّلين والتأكد من الأمر. ذهب صايغ بعد ذلك بالفعل إلى باريس وأخبره المموِّلون (جون هنت والآخرون) بأن لا شيء مخفي عنه.
ولكن لم تمر أشهر على اللقاء حتى أعلن مؤتمر (كونقرس) الحرية الثقافية أنه كان بالفعل يموِّل المجلات (ومن بينها حوار) من أموال وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وكما هو متوقع فقد حملت الصحافة العربية حملة شعواء على رئيس تحرير حوار- توفيق صايغ- واتهمته بالعمالة وطالبت إحداهما بمحاكمته. ويذكر ديفز أنه زار الشاعر توفيق صايغ بعد مَّدة ليست طويلة، في بيروت ووجده في حالة نفسية سيئة. وقد التحق صايغ بعد ذلك بقليل بجامعة كاليفورنيا وتوفى على إثر نوبة قلبية (كما تقول شهادة الوفاة).
4. موسم الهجرة إلى الشمال: صفحات لم تُنشر
يقول ديفز إنه تعرَّف على الطيب صالح في الفترة المطوَّلة التي عاشها في لندن (1954-1969) لكنهما لم يتقابلا إلا مؤخراً إذ أرسل الطيب " دومة ود حامد" إلى مجلة " أصوات" التي كان يصدرها ديفز فأعجب بها ونشرها. ثم قام بترجمتها وأرسلها إلى مجلة (انكاونتر) فقبلتها للنشر. ثم قرأ " عرس الزين" وقام بترجمتها (فوراً) كما يقول، حيث قام الروائي كنجزلي ايمس بعرضها.
أما عن رواية موسم الهجرة إلى الشمال فيقول ديفز أن الطيب صالح أتاه ذات يوم وأخبره بأنه يكتب رواية جديدة. وأصبح يجد على مكتبه كل بضعة أيام جزءاً من الرواية بخط اليد. وبعد فترة وجيزة كانت موسم الهجرة قد اكتملت وفي نفس الوقت كانت الترجمة نفسها قد اكتملت (ص 84). يقول ديفز " كان الطيب غير متأكد من قبول القراء لبعض الفقرات ذات الإيحاءات الجنسية في الرواية ". وقد قرَّر بعد حين عدم تضمينها. ويضيف " في وقت من الأوقات كدنا أن نضمنها في الترجمة الانجليزية ولكننا عدَّلنا عن ذلك " ثم يضيف إضافة مذهلة فيقول " في مكان ما في أوراقي المبعثرة أنا أحتفظ بهذه الفقرات كتبت على صفحتين بخط الطيب صالح.... وفي يوم من الأيام ربما تجد هذه الصفحات طريقها إلى بيوتات المزايدة Auction ويقوم بشرائها أحد المليونيرات المولعين بالاحتفاظ بمثل هذه الغرائب بمبلغ كبير من المال" (ص 84).
ويشير ديفز إلى أن موسم الهجرة إلى الشمال بقيت في درجه زمناً وأنه ممتن أن تكون سلسلة هاينمان للكتَّاب العرب، وكان هو الذي أنشأها والمسئول عنها و بالتالي تحت تصرفه، ممتن لها لأنها مكَّنته من نشر موسم الهجرة والتي ربما بقيت زمناً دون أن تجد لها ناشراً، رغم أنها بعد ذلك قد وجدت طريقها (بمستواها الفني الرفيع) ليس إلى الأسواق والقرَّاء فحسب إنما للسلسلة المحترمة، كلاسيكيات بنجوين الحديثة (Penguin Modern Classics) .وبعد نشرها استعرضها بعض النقاد بحماس شديد، خاصة محررة الكتب في الصنداي تايمز جيل نيفل والتي اختارتها رواية العام. ويقول " إذا كانت للطيب غلطة فهي أنه لم يكتب أكثر". وهو ربما يلمِّح إلى إمكانية منح الطيب صالح جائزة نوبل للآداب لو كان له رصيد معتبر من الروايات، وهو ما أشار إليه في مكان آخر من الكتاب.
5. استشــارة حــول جائـزة نوبــل للآداب
يذكر السيد/ دينس جونسون- ديفز أنه في احدى زياراته للقاهرة وكان وقتها يقيم بفرنسا أو أسبانيا ( لا يذكر) أتصل به صديق ليقول له إن السيدة/ زوجة السفير الفرنسي في تونس وهي سويدية الجنسية، والتي هي في القاهرة، ترغب في مقابلته. ويقول: "وعندما التقينا في كليوباترا هوتيل أخبرتني بأن لجنة جائزة نوبل تنظر في احتمال منح الجائزة لأحد الكتَّاب العرب". وعلى حد قوله فقد كانت عندها قائمة بالمرشحين المحتملين تضم كلاًّ من الشاعر أدونيس، وكُتَّاب القصة والرواية يوسف إدريس والطيب صالح ونجيب محفوظ. وقبل إبداء الرأي سألته عمَّا إذا كان هنالك كاتب آخر يرى أنه أهل للجائزة. وعندما رأى أن القائمة معقولة تمَّ التداول حول أهلية كل منهم على حده.
وخُلاصة الحوار أن أدونيس شعره غامض وليس مفهوماً للعامة كما أن تغيير اسمه المسلم لم يحببه لعدد كبير من العرب. أما يوسف إدريس ورغم مكانته الرفيعة ككاتب مقدم إن لم يكن الأول في كتابة القصة القصيرة في العالم العربي إلا أن أعماله المترجمة قليلة سواء كان ذلك للغة الانجليزية أو اللغة الفرنسية وهما اللغتان اللتان يقرأ بهما أعضاء اللجنة. الطيب صالح - في ذلك الوقت- كانت أعماله المترجمة هي "موسم الهجرة إلى الشمال، وعرس الزين وعدد قليل من القصص القصيرة" وهي أعمال قليلة لا تؤهله للمنافسة.
ويقول ديفز "كنت سأكون سعيداً- بصفتي مترجم أعمال الطيب صالح - إن كانت الجائزة ستكون من نصيبه" (ص 41). ويقول كان من الواضح أن نجيب محفوظ هو الكاتب الأوفر حظاً في القائمة، "ليس فقط لنوعية كتاباته بل للحجم المذهل من الروايات ومجموعات القصص القصيرة التي نشرها".
ويضيف ديفز بأنه بالرغم من أنه intrigued (كان مستغرباً) لكون اللجنة قد قررت أن تنظر في إمكانية منح الجائزة لأحد الكتَّاب العرب (ربما لاعتقاده بأن قرارات اللجنة مسيَّسة إلى حد ما) فإنه قد أهمل الأمر تماماً ونسى أمر مقابلته للسيدة السويدية حتى فوجئ كما فوجئ نجيب محفوظ نفسه عندما أُخبر بأنه قد مُنح الجائزة.
6. علاقاتـه بكبـار الكتَّاب في مصــر
عندما جاء ديفز إلى القاهرة في 1945 مترجماً في المجلس البريطاني اتصل وصادق عدداً من كبار الكتَّاب المصريين. فاتصل أول ما اتصل بالدكتور لويس عوض والذي كان يسبقه في جامعة كمبردج وقدَّمه عوض إلى عدد من المثقفين المصريين. وكان يصحبة إلى منتدى طه حسين الأسبوعي والذي يقول ديفز أن أغلب مداولاته كانت تكون باللغة الفرنسية عندما يكون هنالك أجانب. وكان من أوائل من التقى بهم يحى حقي وترجم له إحدى قصصه القصيرة ونشرها محلياً. و بعدها بعقود قام بترجمة ( قنديل أم هاشم) وتمَّ نشر الرواية من مطبعة الجامعة الأمريكية بالقاهرة في عام 2004. في هذه الفترة أيضاً (الأربعينات) قام بترجمة إحدى قصص مجموعة همس الحنون لنجيب محفوظ والذي ترجم له لاحقاً رحلة إبن فطومة وأعمال أخرى.
يقول ديفز انه التقى بتوفيق الحكيم وأعجب بكتابه (يوميات نائب في الأرياف). وعندما أستأذنه في ترجمة الكتاب أخبره الحكيم بأنه قد أعطى حق الترجمة إلى أبا إيبان وقد كان إيبان ضابطاً في المخابرات العسكرية البريطانية حينها وقد صار لاحقاً وزيراً لخارجية إسرائيل (كما هو معلوم). وقد قام ديفز بعد ذلك بترجمة مسرحية الحكيم (يا طالع الشجرة) كما ترجم له (السلطان الحائر) وعدداً من المسرحيات.
وكذلك التقى محمود تيمور وعمل على ترجمة مجموعة قصص قصيرة له قدَّم لها عبد الرحمن عزام- أمين الجامعة العربية وقتها (للأسف لم يُذكر اسم المجموعة) ونشرها كما يقول على حسابه عام 1947. ويعتقد أنها أول مجموعة قصص عربية تُترجم للغة الانجليزية. ويشيد بدور تيمور وتشجيعه للكتَّاب الشباب ويروي فيما يشبه الطرفة، أن تيمور كان يكتب الحوار بالعربية الفصحى ويعتقد بأنها ستسود بعد خمسين عاماً وكان ديفز يخالفه الرأي. ويقول: "سعدتُ بأني عشتُ أكثر لأشهد العكس، من تدهور اللغة العربية وأن العامية ستسود (كما في حالة اللغة اللاتينية) بتدنِّي مستويات التعليم".
وقد أشار إلى مجموعة أخرى قام بترجمتها بتشجيع من يحيى حقي (أيضاً لم يذكر اسمها) وكان الهم الأكبر هو إيجاد ناشر لها. ويذكر أنه بعد أن قامت مطبعة جامعة أكسفورد بطباعة المجموعة بغلاف من تصميم التشكيلي السوداني إبراهيم الصلحي (في عام 1967)، وقد كان عاماً سيئاً على حد قوله (ربما لحرب الأيام الستة)، رفضت عدَّة صحف أن تقوم بعرض الكتاب. لكن المؤسف أكثر أنه لم تقم أي مؤسسة عربية بشراء (ولا) نسخة واحدة من المجموعة ولم يستطع الناشر أن يبيع النسخ المحدودة التي تمّت طباعتها. وهي (غبينة) ستتكرر مع ديفز في وقت لاحق- أنظر أدناه.
عاش ديفز في القاهرة لفترات مطوَّلة واختارها مكاناً دائماً للإقامة في وقت من الأوقات فاشترى منزلاً في الفيوم وأقام فيه (قبل أن يفضِّل الاستقرار نهائياً في المغرب). وقد توسَّعت علاقاته مع غالبية الكتَّاب المصريين رجالاً و نساءاً ومن أعمار مختلفة. وقد كان فيما يبدو قارئاً نهماً وذو ذوق متفرّد في الاختيار فهو يقول أنه لا يختار الروايات والقصص التي يترجمها لأنها لكتَّاب مشهورين ولكن لأنها أعجبته.
تحدَّث عن لويس عوض وعن ترجماته (صورة دوريان قراي والرجال الجوف). وقد ذكر أنه – أي ديفز- ربما من أوائل من أطّلع على رواية لويس عوض (العنقاء- أو تاريخ حياة حسن مفتاح) وقد كان ذلك في الأربعينات. وعندما طُبعت الرواية بعد ذلك بوقت طويل 1966 ذكر لويس عوض في المقدمة أن ديفز أحد خمسة أشخاص اطّلعوا عليها قبل نشرها. وقد أشاد النقاد بالرواية عند صدورها وقال عنها حسين فوزي إنها لو طُبعت في وقتها (نهاية الأربعينات) لربما غيَّرت تاريخ الرواية العربية. ولسبب ما فالمؤسف أن الرواية ومنذ صدورها قليلة الوجود في المكتبات إن لم يكن مستحيلاً العثور عليها.
تحدَّث كذلك عن أدوارد الخرَّاط وعن دوره في تشجيع الأدباء الشباب وكيف أنه قدَّم أهم كتَّاب الستينات في مجلة (قاليري 67) التي كان يرأس تحريرها ومنهم إبراهيم أصلان ومحمد البساطي والمرحوم يحى الطاهر عبد الله وأحمد هاشم الشريف وغيرهم (وربما جمال الغيطاني إن لم تخنِّي الذاكرة).
كان صديقاً ليوسف إدريس، ويقول عنه انه لم يظهر عبقريته الكاملة كالكاتب الأول للقصة القصيرة في مصر وقتها. ويعتقد أنه ربما لم يكتب أفضل أعماله. كما يذكر أنه كان عند بعض الشباب يوضع في مرتبة أعلى من نجيب محفوظ. و يقول ان يوسف إدريس رغم شخصيته الجذَّابة وعبقريته الكبيرة كان مزهواً بنفسه ويغار من كل من يعتقد أنه ينافسه على الصدارة. وفي هذا المجال يورد قصة طريفة وهي أنه عندما قام ديفز بنشر (دومة ود حامد) في "أصوات" التي كان يصدرها من لندن انتقده يوسف إدريس بشدة حول اختياره لقصة قصيرة بهذا الضعف للمجلة. وعندما رد عليه ديفز بأنه (أي يوسف إدريس) من بين كل الناس أكثرهم معرفة بالقصة الجيدة عندما يقرأها (أي أن تعليقه هو حساده منه) ضحك يوسف إدريس وانتهى الأمر.
7. عن متاعب الترجمـة و مــردودها المادي
يقول جونسون – ديفز حول ترجمة القصة العربية انها غير مجزية ولو أعتمد عليها الشخص كسبيل وحيد للعيش فسيجد أن من الأفضل له أن يعطي دروساً في اللغة الإنجليزية (ص 39). وقد اندهش سعيد الكفراوي- الذي ترجم له ديفز مجموعة قصصية- عندما سمع ذلك وسأله (ألم تكن تعيش على أتعابك من الترجمة؟ فأجابه ديفز لحسن الحظ لا (أشكر الإله لا)) (ص 60).
وربما يقوم الدليل على ما أورده ديفز بحجم ما قام بترجمته من أعمال قصصية متنوعة ولعدد كبير من الكتَّاب من شتّى الدول العربية وبعضهم غير معروف - إذا جاز القول. ترجم ديفز بالإضافة إلى ترجماته لمحمود تيمور ويحيى حقّي وتوفيق الحكيم والطيب صالح ويوسف إدريس، ترجم ليحيى الطاهر عبد الله ومحمد البساطي وسعيد الكفراوي ومحمود الورداني وجمال الغيطاني وخيري شلبي (صاحب وكالة عطية) وصنع الله إبراهيم و يوسف أبورية ومحمد المخزنجي وجميل عطية إبراهيم وسلوى بكر وحنان الشيخ وأهداف سويف. كما ترجم لإبراهيم الكوني من ليبيا وبثينة النصري ومحمد خضيِّر من العراق، وترجم لأدباء غير معروفين نسبياً، كما يقول وبعضهم في المهجر. فترجم لإبراهيم دارغوثي وحبيب سلمى من تونس وإنعام كشاش من العراق وأليفة رفعت ونبيل نعوم جورجي، الذي يصفه بأنه ممتاز.
8. الخمسـة آلاف إسترلينــي كثيـرة
مجهودات السيد ديفز في التعريف بالأدب العربي لم تقف فقط على الترجمة ولكنها تعدَّت ذلك إلى إصدار فصلية "أصوات" – التي ورد ذكرها آنفاً والتي صدر منها نحو (12) عدداً ونشر فيها لعدد من كبار الكتَّاب والشعراء ومنهم غسان كنعاني ومحمود درويش زكريا تامر وغيرهم، وإلى إنشائه وإشرافه على سلسلة هاينمان للكتَّاب العرب كتوأم للسلسلة الأشهر (سلسلة الكتَّاب الأفارقة) للناشر هاينمان. أنشأ ديفز السلسلة ونشر فيها من بين ما نشر موسم الهجرة إلى الشمال (وقصص قصيرة من الأدب العربي الحديث) التي لم تلق رواجاً في طبعتها الأولى من مطبعة جامعة أكسفورد، وأعمال أخرى كثيرة.
يشير ديفز إلى النهاية المؤسفة لسلسلة هاينمان للكتَّاب العرب فيقول انه، وقبل أشهر من منح جائزة نوبل للآداب لنجيب محفوظ، ( يعني حوالي 1987-1988) قررت هاينمان التخلُّص من السلسلة لأنها لم تحقق لها أرباحاً إلا إذا أمكن إيجاد دعم مالي من العالم العربي لها. وعندما سأل ديفز مسئولي هاينمان عن المبلغ المعتقد أنه سيكفي كانت الإجابة 5000 جنيه إسترليني (خمسة آلاف إسترليني) لاحظ خمسة آلاف وليس خمسين ألفا أو خمسة ملايين جنيه إسترليني. ويقول المترجم- الذي نذر نفسه لنشر الأدب العربي- أنه وللأسف لم يجد حتى هذا الدعم الصغير من أي مصدر من العالم العربي. وقد رأى السيد ديفز ألا يذكر الجهات التي اتصل بها وهو الواسع الصلات. وهو عار صغير يُضاف إلى قائمة أفشال المسئولين العرب وأسبقياتهم المختلَّة. وفي نهاية الأمر تمَّ بيع السلسلة لمطبعة الجامعة الأمريكية بالقاهرة وقُبِرت تجربة رائدة كانت ستسهم في نشر الأدب العربي وربما تحصد الجوائز للجديرين بها من الكتَّاب العرب وتضعهم في خارطة الأدب العالمي
9. ترجمــة الأحاديــث
لم يكتف دنيس جونسون- ديفز بترجمة الرواية والقصة القصيرة، والقليلً من الشعر (صلاح عبد الصبور ومحمود درويش) ولكنه أيضاً ترجم بعض الأحاديث النبوية وساهم في ترجمة المصحف المرتل وكتب للأطفال. وعن قصة ترجمته للأحاديث يقول ديفز انه في إحدى رحلاته للخليج التقى الدكتور/ عز الدين إبراهيم (أول مدير لجامعة الإمارات) (مصري الجنسية) والذي كان حينها مستشاراً للشيخ زايد – رحمة الله عليه- فقاما معاً بترجمة النووي (الأربعين حديثاً) وقد تمَّت طباعة الكتاب في سوريا مشاركة بين الاثنين والسيد/ بسَّام اسطواني (500) إسترليني لكلٍ. وقد لاقت الترجمة نجاحاً عظيماً فطُبع منها نحو (20) طبعة. وعندما قدَّمه الدكتور/عز الدين في وقت لاحق إلى الشيخ زايد معرفاً إياه بالشخص الذي شاركه ترجمة الأحاديث وجَّه الشيخ زايد على الفور بمنحه إقامة على حساب الدولة لمدة أسبوعين كل عام مع تذاكر السفر. وقد ساعد ذلك على ترجمته والدكتور/عز الدين لآثار إسلامية أخرى.
10. ختـــــام
في إشارة إلى غلبة الثقافة الأم يقول ديفز انه وفي عام 1992 عندما كان في طريقه إلى منزله في الفيوم سمع في الراديو بوفاة يحيى حقِّي عن (87) عاماً. ولكن لأنه ليس مثل بعض الناس الذين يمكنهم حضور مراسم دفن الأصدقاء دون أن يتأثروا، كما يقول، واصل مشواره. الطريف في الإشارة - وأرجو ألا أكون متحاملاً - أن السيد/ ديفز بعد كل هذا التشرُّب للثقافة العربية لم ير أهمية حضور مراسم الدفن أو العزاء في صديقه منذ خمسين عاماً حيث يلتقي الأصدقاء ويعزّون بعضهم بعضاً في الفقيد كما يعزّون أهله. وإن التأثُّر وربما البكاء نفسه ليس منقصة، حتى للرجال، فيه هذه الحالات - بل ربما من الواجب- علماً بأن ما فعله ديفز يفعله حتى بعض أهل الثقافة العربية أنفسهم.
يرى ديفز أن "الترجمة فن يحتاج إلى أكثر من معرفة لغتين مختلفتين" (ص 130). ويدلِّل في أكثر من موقع بأن الترجمة الحرفية لا تحمل المعنى الذي يقصده النص، إذ كيف تترجم مثلاً "وسِعَ كرسيُّه السموات والأرض". وفي نبرة لا تخلو من حزن أو شعور بعدم التقدير للمترجمين يذكر بأنه " لا شيء يتحرك من غير ترجمة". و يقول إننا نقرأ بالعربية أو بأي لغة أخرى لكتَّاب عالميين كبار ولكننا نادراً ما نسأل عن المترجم أو نتذكَّر اسمه.
من المآخذ القليلة على الكتاب أنه أغفل ذِكر قائمة بالكتب التي قام بترجمتها السيد/ دينس جونسون- ديفز وتواريخ نشرها والناشرين كما أغفل كذلك كتب الأطفال التي قام بتأليفها وهي إضافة كانت هامة وضرورية وربما هي مسئولية الناشر في المقام الأول.
بالكتاب مجموعة صور فوتوغرافية للكاتب في شبابه وبعد ستين عاماً من ذلك وصور له مع كل من نجيب محفوظ والطيب صالح وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صائغ ومحمد البساطي ومحمد براده ومحمد المخزنجي وسلوى بكر وحنان الشيخ وسعيد الكفراوي وعبد السلام العجيلي وعبده جبير ويوسف أبوريه و إدوار الخرَّاط . وصور لكلٍّ من بلند الحيدري ويحيى الطاهر عبد الله.
في السنوات الأخيرة أصبح ديفز يقضي معظم أوقاته كما يقول في كتابة كُتب للأطفال وكلها من ألف ليلة وليلة والأساطير العربية والتاريخ العربي والإسلامي. وكتب سيرة الرسول (ص) للأطفال وطبعت له مطبعة الشروق (15) كتاباً للأطفال.
ويقول جلستُ ذات يوم وجعلتُ أحصي الكتب التي قمتُ بترجمتها فوجدتها نحو (28) كتاباً فقلتُ لماذا لا أكملها إلى (30). ويضيف أنه يعاهد نفسه مع كل ترجمة كتاب أن يكون الأخير، لكن المترجم كالمدمن "فأجد نفسي أعود للترجمة" (ص 129). بأي شيء يمكننا أن نكافئ هذا الرجل. ربما بالمحبة والعرفان وبالمزيد من كليهما.