بقلم الأستاذ زين العابدين الركابي
ولئن مضى مشرف إلى سبيله ومصيره، فإن مما يتوجب على نظرائه (الباقين) ممن يشاركونه في (صفة الحكم): ‏أن يفتحوا عيونهم وأفئدتهم وعقولهم: ابتغاء أن تتغلغل فيها وتتمكن (العبرة الكبرى) من رحيل مشرف ومصيره

‏«نحن ممتلئون اقتناعا بأن مهمة الجيوش هي حماية حدود الوطن: لا حكم الوطن!.. هذه واحدة، والثانية: ان ‏الانقلابات العسكرية ليست وسيلة صحيحة للتغيير والاصلاح.. والثالثة: انه يُخشى ان يكون انقلاب باكستان: ‏استئنافا لأسلوب الانقلابات الذي انتشر في الخمسينات والستينات من القرن العشرين.. أما الرابعة فهي أننا شهود ‏على خيبة التجربة العسكرية الانقلابية في العالم الإسلامي كله: بلا استثناء»..‏
هذا أول تعليق كتبناه في هذا المكان، في هذه الجريدة ـ بتاريخ 16/10/1999 ـ على انقلاب برويز مشرف في ‏باكستان يومئذ ولا ندري: ما هي حكاية شهر (اكتوبر) مع باكستان. ومع برويز مشرف؟، ففي اكتوبر عام 1999 ‏قام مشرف بانقلابه الذي قفز به ـ كما أشير قبل ثوان ـ الى السلطة.. وفي اكتوبر عام 2007. أعاد مشرف ‏‏(تمثيل) انقلابه الأول من خلال اجراءات عسكرية منها: إعلان حالة الطوارئ (كانت أحكاما عرفية في حقيقة ‏الأمر).. وعزل قضاة المحكمة العليا.. وتعليق الدستور الدائم.. وتعطيل محطات التلفزيون والإذاعة غير ‏الحكومية.. وإطلاق يد الجيش والشرطة لممارسة اعتقالات بالجملة الخ.. ومنذ ذلك الحين ظلت باكستان تفور ‏وتغلي بما يهدد وحدتها واستقرارها وأمنها الوطني.. ثم كانت العقبى المرّة: تخيير مشرف بين أمرين: إما ‏المحاكمة والإدانة والعزل.. وإما الاستقالة، فكانت الاستقالة!! والحق: ان هذه نتيجة بائسة لمدة سنوات عشر ‏قضاها مشرف في حكم باكستان، ذلك أن أشرف وأنبل وأحلى ما في الحكم، ليس مدة (التمتع) بممارسته، بل ان ‏أعظم وأحلى ما فيه هو (السمعة الطيبة) بين الناس، بعد ترك الحكم: لهذا السبب أو ذاك.. وهذه السمعة الطيبة من ‏أجمل وأصدق وأسمى منازع الفطرة البشرية السوية، ولذا رغب فيها أبو الأنبياء وخليل الرحمن: سيدنا إبراهيم ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ إذ دعا ربه بهذا الدعاء الصادق الحاني الجميل:«واجعل لي لسان صدق في الآخرين»، أي ‏الثناء الحسن في الأجيال القادمة.‏
ولئن مضى مشرف إلى سبيله ومصيره، فإن مما يتوجب على نظرائه (الباقين) ممن يشاركونه في (صفة الحكم): ‏أن يفتحوا عيونهم وأفئدتهم وعقولهم: ابتغاء أن تتغلغل فيها وتتمكن (العبرة الكبرى) من رحيل مشرف ومصيره ‏‏(والسعيد من اعتبر بمصير غيره). وعميقة العبر وكثيرة: لا عبرة واحدة.‏
‏1 ـ العبرة الأولى هي: أن (السند الرئيس) ـ بعد توفيق الله ـ، لأي حكم، وأي حاكم هو (شعبه)، هو (أمته) هو ‏‏(الجبهة الداخلية)، فإذا فرط الحاكم في هذا الرصيد الضخم الأساس، أو زهد فيه، أو استخف به ـ اعتمادا على ‏مقومات أو وعود أو عكاكيز خارجية ـ أو سوء حساب: خر صريعا، في هذه الصورة أو تلك: ـ على عجل أو ‏على مكث ـ، ولم ينفعه عندئذ خيط عنكبوت من الخارج، بافتراض ان خيطا كهذا قد مُدّ إليه من الخارج!.. ‏فالتجارب توكد: أن الجهات الخارجية التي جرى (التوكل) عليها هي أول من يتخلى عن الحاكم الذي فرط في ‏رصيده الأعظم وهو شعبه أو أمته لأجل إرضاء قوى خارجية أو أجنبية التي مثلُها كمثل الشيطان الذي يعد ولا ‏يفي، بل يعد بقصد التوريط والتشجيع على ارتكاب الأخطاء القاتلة، ثم التهيؤ للبراءة مما حدث عندما تقع ‏الواقعة:«وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان ‏إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي».. (معنى ‏مصرخكم: مغيثكم).‏
‏2 ـ العبرة الثانية ـ المرتبطة بالأولى والموكدة لها ـ: أن تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها المقربين، قد تكاثرت ‏وقائعه حتى أصبح ظاهرة تستوجب الاعتبار الفطن الدائم (بمقياس غريزة المحافظة على الذات على الأقل).. ‏وإذا كان من الغش والتضليل والظلم: إطلاق الكلام بلا دليل، فإننا نقدم أدلة ثلاثة كنماذج ـ على حقيقة السلوك ‏الأمريكي في هذا الميدان: الدليل الأول هو: التخلي المباغت والفاجع عن شاه إيران.. يقول وليم ساليفان (آخر ‏سفير أمريكي في إيران قبيل رحيل الشاه).. يقول ـ في كتابه: أمريكا وإيران ـ:«التفت الشاه نحوي وقال: إن هناك ‏مؤامرة أجنبية تنشط ضدي. وأنا لا استغرب أن يفعل ذلك السوفيت والانجليز، لكن مما يحزنني في الأعماق أكثر ‏من أي شيء آخر هو دور الـ ‏CIA‏ في هذه المؤامرة، ولا زلت أسأل نفسي عن الأسباب التي جعلت المخابرات ‏الأمريكية تشترك في المؤامرة؟.. ما الذي اقترفته ضد أمريكا حتى تعاملني بهذه الطريقة القاتلة»؟.. الدليل الثاني ‏على (نظرية التخلي الأمريكي عن الحلفاء) هو: تخليها عن (سوهارتو): الرئيس الأندنوسي الأسبق. لقد كان ‏الرجل حليفا قويا للولايات المتحدة: لم (يعص) لها أمرا، لا في السياسة، ولا في الاقتصاد، ولا في الأمن ‏الاستراتيجي، ولا في (الإسراف) في خدمتها في مواجهة المد الشيوعي: في اندنوسيا وما حولها. لقد كان ـ بحق ـ ‏‏(الجنرال الأمريكي) في الجيش الاندنوسي، ثم في حكم اندنوسيا.. ثم كانت عاقبته: السقوط المخزي من الحكم ‏الذي كان سببه المباشر (ثورة شعبية) ضد تدخلات البنك الدولي التي أدت الى انهيار مروع في معايش غالبية ‏الشعب الاندنوسي، ومعروفة هي (ارتباطات) سياسات البنك الدولي، بأجندات أمريكية معينة: ـ سياسية ‏واقتصادية ـ وعندما سقط الرجل الحليف، بل قبيل أن يسقط: تفنن الاعلام السياسي الأمريكي في وصمه ‏بالدكتاتورية والجهل والفساد وإساءة استعمال السلطة.. وَيْ.. وَيْ.. وَيْ.. الآن تتهمونه بذلك، وقد علمتم من قبل ‏أنها رذائل اتسم بها حكمه عبر أربعين عاما تقريبا، علمتموها فالتزمتم صمت الحجارة تجاهها!!.. إن هذا (النفاق ‏السياسي) الهائل إنما هو (مجرد تسويغ) لنظرية التخلي عن الحلفاء.. الدليل الثالث على هذه النظرية: رحيل ‏برويز مشرف عن حكم باكستان، وذلك بعد أن (تيقن) من تخلي حلفائه الأمريكان عنه، وإلا فإنه لم يكن يفكر في ‏الاستقالة، بل خطط لكي يحكم باكستان سنوات عديدة مقبلة!.. وها هنا ملحظ جد مهم وهو: ان التخلي ليس ‏بالضرورة أن يتم خلال سنة أو سنتين ـ مثلا ـ بل وكد التاريخ السياسي: ان التخلي الفاجع يحصل بعد عقود من ‏التحالف والصداقة!!‏
كما حدث للشاه وسوهارتو اللذين ظل كل منهما في الحكم ما يقارب أربعة عقود من الزمن.. والملحظ الآخر هو: ‏ان هؤلاء الرؤساء الثلاثة كانوا يحكمون دولا إسلامية!‏
‏3 ـ العبرة الثالثة: ان لمشرف أخطاءه الذاتية بلا ريب، ولكنه كان ـ من جانب آخر ـ (ضحية) للسياسة الأمريكية ‏الخاطئة المتخبطة. نعم. كان ضحية لأنه استجاب لهذه السياسة الحمقاء باندفاع تدنت فيه حظوظ العقلانية ‏ومناسيبها وحساباتها.. وهذا بدهي، فإدارة تنزل أفدح الأضرار بمصالحها وأمنها وسمعة بلادها لن تكون ناجحة ‏في نصح باكستان ورئيسها. فمستحيل أن يجود المحروم بما حرم منه.. فبدفع من هذه السياسات الخرقاء دخلت ‏باكستان في ما يشبه الحرب الأهلية في المدن وبين القبائل وعلى الحدود. وفي ظل أداء مشرف المعجون في ‏الأجندة الأمريكية: انتقلت فوضى الارهاب من أفغانستان الى باكستان.. وبقية المسلسل معروفة، وهو مسلسل ‏كانت استقالة مشرف نهايته البائسة (العبرة هنا هي: استمرار التعامل مع أمريكا وفق رؤية محسوبة وفي غير ‏تبعية، مع النصح الفاعل لها نصحا ينفع الطرفين).‏
‏4 ـ العبرة الرابعة: إعادة النظر ـ لأجل التصحيح ـ في مسألة (المكافحة المشتركة للإرهاب).. فنحن ضد هذا ‏البلاء أو الوباء الذي فتح على الإسلام وأهله أبوابا من الشر والفتن نرجو أن تكون لها نهاية. ونحن ـ من ثم ـ مع ‏كل جهد إسلامي أو انساني ينزع الى إيصاد ولو باب من أبواب الشر هذه. فهذا الجهد يدخل في نطاق (التعاون ‏الإنساني العام على صيانة دم الإنسان وحرماته: أمنه واستقراره ومعايشه وحضارته).. هذه حقيقة لا ينبغي أن ‏ينشأ حولها جدل. بيد ان المنطق العملي والأخلاقي يوجب: ان يواكب هذه الحقيقة: حقيقة أخرى وهي: ان الطريقة ‏الأمريكية في مكافحة الإرهاب لا يمكن أن توصف بأنها حاذقة. فالوقائع على الأرض تنطق بالأرقام التي تقول: ‏إن هذه الطريقة زادت الإرهاب كما، وعقّدته نوعا، ولقد شهد بذلك مراكز بحوث في أوربا.. وفي أمريكا ذاتها.. ‏ومن هنا، فإن العبرة في هذا المجال تتمثل في مفهومين رئيسين:‏
‏1 ـ المفهوم الأول هو: ضرورة (تعريف الإرهاب) بما يحرره من الأخطاء والمفاهيم التي توسع نطاق الإرهاب، ‏مثل: اتهام الإسلام ذاته، والمسلمين جميعا، والمقاومة المشروعة للمحتل: بالإرهاب.‏
‏2 ـ المفهوم الثاني هو: أن يكون (الأمن الوطني لكل دولة) هو: مقياس مكافحتها للإرهاب.. فمن المثالية الخيالية، ‏بل من فقدان الاحساس بالمصلحة الوطنية العليا: التضحية بالأمن الوطني، وتماسك الجبهة الداخلية في سبيل ‏مجاملة أمريكا أو غيرها ـ في هذا المجال ـ: بتبني شعاراتها ومفاهيمها التي قد تتناقض مع الأمن الوطني لهذه ‏الدولة أو تلك.. بدليل انه حين اختل هذا المقياس في يد برويز مشرف: كاد أن يخرب بلده من أجل الأخذ غير ‏المبصر بالأجندة الأمريكية، على حين أن (الأنانية الوطنية) المشروعة تقضي بغير ذلك، ونعني بهذه الأنانية: ‏تقديم المصلحة الوطنية أولا وثانيا وعاشرا على أي اعتبار آخر.‏

التعليقات
أضف جديد بحث
أضف تعليقك
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
 

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."