809101لقد بين الشرع الحنيف خلال شواهد بعض الآيات الكريمة والأحاديث النبوية فضل العلماء حيث قال عز من ‏قائل: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) وقال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ ‏وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) وقال الصادق الصدوق المصطفى صلى الله عليه وسلم (علماء أمتي كأنبياء بني ‏إسرائيل) كما قال صلى الله عليه وسلم (العلماء ورثة الأنبياء).‏

 

نطل اليوم من خلال هذه المقالة على أحد الأعلام الذين أثروا الوجدان والساحة الفكرية والدينية والاجتماعية عالم ‏من علماء البلاد الذين يشار إليهم بالبنان عالم أتخذ طريق العلم والقرآن وسننه وطريقه ومبتغاة ، فبذل له الوقت ‏والجهد والمال كان مثالاً في أخلاقه وجميل صفاته وخفه روحه ولطافة حديثه أفاد الكثير من طلاب العلم ونهل ‏من ينبوعه الصافي أقوام وأقوام كانت داره ومسجده الذي أسسه بأم درمان واحة للعلماء والشيوخ وطلاب العلم ‏وأصحاب الحاجة.‏

نقف اليوم مع سيرة أحد الشوامخ صاحب الفضيلة العالم العلامة طيب الذكر والسيرة مولانا الشيخ يوسف إبراهيم ‏النور.‏

مولده ونشأته:‏

ولد بحوش النور الجريفاوي بحي ود أرو بأمدرمان سنة 1902م وقضى جانباً من طفولته بجزيرة توتي التي ‏كانت تقيم فيها أسرته وتمتلك أرضاً زراعية يديرها والده وكان يساعد والده في صغره ، واستمر على ذلك عندما ‏كان طالباً بالمعهد العلمي بأم درمان.‏

تعليمه: ‏

قرأ القرآن في صغره في مسيد أم ضوبان على يد الخليفة حسب الرسول ود بدر الذي كان شديد الحرص على ‏القراءة الصحيحة للقرآن ولا يتجاوز عن أي خطأ في الحفظ مما كان له الأثر الطيب على علم الشيخ يوسف الذي ‏يعد حجة في هذا العلم كما نتبينه من مقالات ومؤلفات في هذا المجال وقد علق الشيخ يوسف على ذلك بنفسه حين ‏قال: (يتخرج الطالب من مسجد أم ضوبان مثلاً وهو يحفظ القرآن لا يحرف منه حرفاً ولا يغير فيه ضبطاً).‏

التحق الشيخ يوسف في سنة 1915م بالمعهد العلمي بأم درمان الذي كان قد مضى على تأسيسه ثلاث سنوات ‏حيث نال فيه الشهادة الأهلية سنة 1922م وحاز على شهادة العالمية في 22 يونيو سنة 1927م ضمن تسعة ‏علماء تخرجوا من المعهد منذ تأسيسه وحتى ذلك العام.‏

يتبين مما سبق أن الشيخ يوسف عاصر نشأة المعهد وتطوره ودرس على كبار علمائه وعرف مناهجه ومقرراته ‏وتأثر بطرق التدريس فيه وقد اختير مع مجموعة من الطلاب المتفوقين لتدريس طلبة السنوات الأولى في عهد ‏الشيخ أبي القاسم أحمد هاشم وقد انتدبه الشيخ أبو القاسم لإدارة الامتحانات ثم عهد إليه مهمة تنظيم مكتبة المعهد ‏فنظمها تنظيماً دقيقاً وترجح استفادته من ذخائر التراث العربي والإسلامي التي زخرت بها هذه المكتبة كما ‏يتضح من إشارته إلى كثير من المؤلفات التي اعتمد عليها في بحوثه ودراساته.‏

شيوخه: ‏

تتلمذ الشيخ يوسف على كثير من شيوخ زمانه في شتى العلوم ومن أشهرهم: الشيخ حسب الرسول ود بدر الشيخ ‏أبو القاسم أحمد هاشم ، الشيخ محمد الأمين الضرير الشيخ الحاج أحمد المجذوب ، الشيخ الشريف محمد الأمين ‏الهندي المعروف بقطب القرآن الشيخ الفكي الهادي وكان تعلم الشيخ يوسف لم يقتصر على هؤلاء فطالب علم نهم ‏مثله.‏

لا يشبع وما كان ليتوقف من طلب المزيد والارتواء من علوم مشاهير العلماء وارتياد حلقات دروسهم وقد قال في ‏مقال له بعنوان (مناهج تعليم القرآن الكريم) (ولقد أدركنا تلاميذه) الشريف محمد الأمين الهندي وتلامذة تلاميذه ‏وأخذنا عنهم القرآن.‏

أقرانه وزملاؤه من العلماء:‏

ومن أشهر العلماء الذين زاملوا الشيخ وتخرجوا معه في المعهد:‏

الشيخ مصطفى إبراهيم الدسوقي ، والشيخ أحمد العاقب الأمين والشيخ محمد الأمين إسماعيل والشيخ إبراهيم ‏يعقوب والشيخ حامد الأمين حامد والشيخ محمد الطيب قمر الدين.‏

ومن أشهر العلماء الذين زاملوه في سلك العمل الوظيفي:‏

مولانا أبو القاسم عبد الرحيم ، مولانا قاضي القضاة الشيخ حسن مدثر الحجاز والأستاذ خلف الله الرشيد والأستاذ ‏عبد الله فضل والشيخ أحمد الأزهري ، والشيخ يوسف أبو عباس الفكي والشيخ علي عبد الرحمن ، والشيخ أحمد ‏بيومي والشيخ محمد سالم محيسن والشيخ علي جاد الكريم والدكتور علي جاد كريم والدكتور علي عبد الواحد ‏وافي والدكتور النشار والدكتور محمود قاسم والدكتور أحمد شلبي والدكتور الحسيني عبد المجيد هاشم ‏والبروفيسور عون الشريف قاسم والشيخ محمود حافظ برانق.‏

تلاميذه:‏

تتلمذ على يد الشيخ يوسف جماعة من الطلاب أشهرهم: الشيخ محي الدين والأستاذ مصطفى طيب الأسماء ‏والشيخ علي أبو عزيبة والشيخ حامد عبد الرحمن الحمدابي والشيخ حسن أحمد العوض والشيخ عبد الله خوجلي ‏والأستاذ الأمين حاج الطيب.‏

أسرته:‏

تزوج آمنه عبد الله النور الجريفاوي وأنجبت له: الأمير وصديق وعثمان وعبد الله وزينب وسعاد وسكينة.‏

مسجده: ‏

في فترة عمله بالدويم كان الشيخ يوسف دائم التفكير في أداء رسالته الدينية من خلال المساجد وكان أمر تأسيس ‏مسجد له يسيطر على تفكيره وقد تحقق له ذلك عندما انتقل إلى أم درمان فيما بعد وأسس مسجداً جمع طلاب العلم ‏والحيران والمريدين بأم درمان وتواصلت فيه دروسه في القرآن تحفيظاً وشرحاً وتجويداً وهو أول مسجد يقيم ‏صلاة التراويح بجزء من القرآن. وكان يفكر كثيراً في الاستقرار بجزيرة توتي مسقط رأسه وبناء خلوة يقوم ‏بالتدريس فيها، ولكن هذا الأمل لم يتحقق بسبب غير معروف.‏

إسهاماته العلمية:‏

ولم يقتصر نشاط الشيخ يوسف في الأقاليم على عمله الرسمي في المحاكم الشرعية وإنما واصل دروسه في ‏المساجد فكان يدرس العلوم الدينية بجامع الدويم الكبير وفيه أسس دروساً منظمة ارتادها كثير من الطلبة الذين ‏تخرجوا فيها. وفي فترة عملة بمحكمة النهود التي مكث فيها ثلاث سنوات حفلت بالنشاط الديني والاجتماعي وقد ‏ساهم في بناء معهدها العلمي الذي بدأه الشيخ محجوب إسحاق وأكمل الشيخ يوسف بناءه ونظم الدراسة فيه ‏وجعله ملتقى للعلماء.‏

وهذه أمثله عن نشاطه الذي لا شك أنه قام بمثله في الأقاليم الأخرى إلى أن تقاعد بالمعاش.‏

في سلك القضائية:‏

بعد أن نال الشيخ يوسف شهادة العالمية من المعهد في 22 يونيو 1927م عين في وظيفة كاتب قضائي بالمحاكم ‏الشرعية بتاريخ 17/10/1927م وترقى إلى وظيفة قاضي محكمة عليا بتاريخ 27/10/1960م وظل في هذه ‏الوظيفة يواصل عطاءه لمدة تقرب من (35) عاماً وتنقل خلال هذه الفترة في أكثر أقاليم السودان حيث عمل في ‏محكمة كوستي الشرعية ثم محكمة النهود الشرعية ثم محكمة شندي الشرعية ثم محكمة مدني الشرعية ثم محكمة ‏أم درمان الشرعية ثم محكمة سنار الشرعية ثم إدارة المحاكم الشرعية بالدويم ثم إدارة المحاكم بالخرطوم ثم ‏إدارة المحاكم بأم درمان ثم إدارة المحاكم الشرعية بالخرطوم إلى أن تقاعد بالمعاش في 1/1/1962م.‏

التدريس بجامعات السودان:‏

انتدب الشيخ يوسف لتدريس مبادئ الشريعة الإسلامية بجامعة الخرطوم في سنة 1957م وكان يلقي محاضرات ‏في الحديث والمرافعات القضائية وكتابة (أحاديث الأحكام) هو عبارة عن جزء من محاضراته التي كان يلقيها ‏على طلبته.‏

ثم تعين الشيخ بالجامعة الإسلامية بأم درمان عام 1963م محاضراً وكان يدرس الفقه وعلوم اللغة العربية ‏والقرآن والمرافعات الشرعية والتوحيد.‏

في لجنة مصحف الدوري:‏

اختير الشيخ عضواً في لجنة (محاولة كتابة المصحف برواية أبن عمرو الدوري التي عقدت أولى جلساتها ابتداءً ‏من مساء الأثنين 27 رمضان 391هـ الموافق 15 نوفمبر 1967م بشعبة أبحاث السودان (معهد الدراسات ‏الأفريقية والآسيوية) وصار الشيخ يوسف رئيساً لهذه اللجنة وشارك في أعمال لجنتها الفرعية التي تكونت لوضع ‏تعريف للمصحف ورموزه ومصطلحاته.‏

صفاته وشخصيته:‏

عرف الشيخ بسماحته في تعامله مع أفراد أسرته ومع أصدقائه وزملائه ومع العلماء وقادة الفكر والسياسة ‏وعرف عنه صداقته لبعض من خالفوه رأياً ومنهجاً ونظن أن الشيخ العالم الجليل السالك لطريق الحق قد فطر ‏على السماحة وسعة الصدر ونقاء السريرة ولم يتسع قلبه لكراهة إنسان وقد نظر إلى الآخرين بوصفهم أبناءً لهذا ‏الوطن الذي احتضن الجميع كأم رؤوم توزع حنانها على كل فلذات كبدها.‏

والذين عاصروه وجلسوا إليه وتتلمذوا عليه وارتادوا حلقة درسه أجمعوا على أنه جمع صفات المؤمن النقي ‏السريرة الذي ملك قلباً خاشعاً ويقيناً صادقاً وصدراً لا يعرف الحقد والكراهية بل كان يبعث الأمل في قلوب ‏اليائسين ويغرس الاطمئنان في قلوب الخائفين.‏

عبادته:‏

عرف الشيخ بعبادته وزهده وكان مع الله شكراً وحمداً واعترافاً وكان القرآن الكريم يسكن جنانه ويرطب لسانه ‏وكانت له حجرة خاصة لعبادته في بيته بعد مفارقة المسجد وكان كثير الحج وقد حباه الله كثيراً من صفات العباد ‏الزهاد وقد شبه في تصوفه بالصفوة من خيار هذه الأمة وكانت له أوارد يرددها ويلقنها لتلاميذه بعد صلاتي ‏العصر والمغرب وعقب الباقيات الصالحات.‏

زهده:‏

الشيخ يوسف أتته الدنيا طائعة فلم يحفل بها وأنفق ماله في سبيل الخير والعلم والدعوة وأوصد باباً كان منفذاً ‏لرزق عميم وخير كثير ومال وفير.‏

كرمه:‏

كرمه وإنفاقه في سبيل العلم لا يحتاج إلى دليل فخلوته التي كانت تتبع مسجده ضمت عشرات الطلاب الذين كانوا ‏يتلفون العلم في كنفه لا يفقدون شيئاً مما يعينهم على الدراسة من مأوى ومأكل وملبس بالإضافة إلى مئات ‏المصلين وأبناء السبيل وأهل الحاجة الذين كان يطعمهم على نفقته الخاصة.‏

علمه ومكانته: ‏

كان الشيخ يتحلى بقدرة فائقة على توظيف العلم لخدمة الأمة وكان عاملاً بعلمه ولم يكن الشيخ مقيداً بمذهب دون ‏آخر ولم يتخذ أصول مذهب معين مصدراً للأحكام ويقتصر عليه وإنما كان يفتي في إطار المذاهب الأربعة حسب ‏قوة الدليل المستمد من الكتاب والسنة.‏

وتحدث معاصروه من رواد حلقة درسه في مسجد الملازمين عن عنايته بالقرآن الكريم وأسراره وأوجه قراءته ‏وقد ترك كتباً مطبوعة ومخطوطة لا تمثل إلا القليل من علمه الغزير ولم يقتصر علمه على القرآن الكريم وحده ‏بل يمتد إلى الحديث الشريف الذي كان حجة في روايته وفي تحقيق أسانيده وفي مجالات الفقه والتشريع واللغة ‏العربية نحوها وصرفها وبلاغتها وأدبها.‏

وفاته: ‏

ظل الشيخ يوسف إبراهيم النور مجاهداً وداعياً لبعث التراث وحاول أن ينشر الوعي بهذا العلم فحاضر وأملى ‏وكتب في المجلات وسجل في الإذاعة المسموعة والمرئية وظل هكذا مواصلاً إلى أن لبى نداء ربه في أكتوبر ‏‏1981م رحمه الله رحمة واسعة وتقبل عمله وجهاده.‏

مؤلفاته:‏

وللشيخ مؤلفات عدة من أشهرها:‏

رسالة المسجد – مع المصاحف – دراسات في سنن الترمذي – شرح أحاديث في الأحوال الشخصية – بحث في ‏الزواج.‏

وله عدة مقالات في مجالات مختلفة نذكر منها:‏

كتب مقالاً في مجلة (الفجر) عن مشكلات البحث في التاريخ وله مقال عن نشأة المعهد العلمي بأم درمان ، وكتب ‏الشيخ مقالاً عن علوم القرآن وله مقال عن (مناهج تعليم القرآن) وكتب الشيخ في مجلة (الإرشاد الديني) مقالين ‏في تفسير آية (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...) الآية 35 سورة النور، وله كتابات في علم الحديث وعلم الفقه ‏وغيرها في المجالات المختلفة لا يسع المقام لذكرها.‏

جريدة الرائد

التعليقات
أضف جديد بحث
ميا ده ابو الريش  - توتى   |41.209.73.xxx |2010-02-24 12:29:15
الله عليك
محمد ابراهيم محمود  - schenectady ny   |71.164.102.xxx |2010-03-21 17:18:04
رحمه الله رحمة واسعة وتقبل عمله وعلمه وجعله في ميزان حسناته
محمد ابراهيم  - المسيد الجزيرة   |84.109.160.xxx |2010-05-15 17:57:02
الجزيرة
مجهول   |41.235.3.xxx |2010-07-02 18:24:35
رحمة عليك يا شيخ
مجهول   |41.235.3.xxx |2010-07-02 18:25:36
تقبل الله اعمالك
أضف تعليقك
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
 

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."