هذه تعليقات علمية قيمة للشيخ ابن تيمية حول الحديث الصحيح المشهور على كل لسان ، ( إنما الأعمال بالنيات). وفيها إشراقات في توضيح معنى الحديث لا توجد عند غيره. فقد أوضح أن النية المقصودة هنا هى الغاية والدافع من وراء العمل والباعث عليه، فقد يكون خالصا لله وقد لا يكون. وقد شاع استعمالها في التمييز بين عمل وعمل، وهذه يكفي فيها أن يعلم المرء نوع العمل الذي يقوم به، والتلفظ بها زيادة وتكلف، فكل عاقل يعلم ما يريد فعله ، فمن علم ما يريد فعله فلابد أن ينويه ضرورة، كمن قدم بين يديه طعاما ليأكله فإذا علم أنه يريد الأكل فلابد أن ينويه.
الحديث
عن يحيي بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوي، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسـولـه، ومـن كانت هجرتــه إلى دنيـا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
هذا حديث صحيح متفق على صحته، تلقته الأمة بالقبول والتصديق، مع أنه من غرائب الصحيح؛ فإنه، وإن كان قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق متعددة، كما جمعها ابن منده وغيره من الحفاظ، فأهل الحديث متفقون على أنه لا يصح منها إلا من طريق عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ هذه المذكورة، ولم يروه عنه إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولا عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد إلا يحيي بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة.
ورواه عن يحيي بن سعيد أئمة الإسلام، يقال: إنه رواه عنه نحو من مائتي عالم، مثل: مالك، والثوري، وابن عيينة، وحماد، وحماد، وعبد الوهاب الثقفي، وأبي خالد الأحمر، وزائدة، ويحيي بن سعيد القطان، ويزيد بن هارون، وغير هؤلاء خلق من أهل مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام، وغيرها، من شيوخ الشافعي وأحمد وإسحاق وطبقتهم، ويحيي بن معين، وعلي بن المديني، وأبي عبيد.
ولهذا الحديث نظائر من غرائب الصحاح، مثل: حديث ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن بيع الولاء وهبته. أخرجاه، تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
ومثل حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر فقيل: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: (اقتلوه) أخرجاه، تفرد به الزهري عن أنس، وقيل: تفرد به مالك عن الزهري، فالحديث الغريب: ما تفرد به واحد، وقد يكون غريب المتن، أو غريب الإسناد، ومثـل أن يكـون متنـه صحيحا مـن طريق معروفة، وروي من طريق أخرى غريبة.
ومن الغرائب ما هو صحيح، وغالبها غير صحيح، كما قال أحمد: اتقوا هذه الغرائب فإن عامتها عن الكذابين؛ ولهذا يقول الترمذي في بعض الأحاديث: إنه غريب من هذا الوجه.
والترمذي أول من قسم الأحاديث إلى صحيح، وحسن، وغريب،وضعيف، ولم يعرف قبله هذا التقسيم عن أحد، لكن كانوا يقسمون الأحاديث إلى صحيح، وضعيف، كما يقسمون الرجال إلى ضعيف، وغير ضعيف، والضعيف عندهم نوعان: ضعيف لا يحتج به، وهو الضعيف في اصطلاح الترمذي، والثاني: ضعيف يحتج به، وهو الحسن في اصطلاح الترمذي، كما أن ضعف المرض في اصطلاح الفقهاء نوعان: نوع يجعل تبرعات صاحبه من الثلث، كما إذا صار صاحب فراش، ونوع يكون تبرعات صاحبه من رأس المال، كالمرض اليسير الذي لا يقطع صاحبه، ولهذا يوجد في كلام أحمد وغيره من الفقهاء أنهم يحتجون بالحديث الضعيف؛ كحديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجري وغيرهما؛ فإن ذلك الذي سماه أولئك ضعيفا هو أرفع من كثير من الحسن، بل هو مما يجعله كثير من الناس صحيحا، والترمذي قد فسر مراده بالحسن أنه ما تعددت طرقه، ولم يكن فيها متهم، ولم يكن شاذا.
الحديث من أهم أصول الدين
والمعني الذي دل عليه هذا الحديث: أصل عظيم من أصول الدين، بل هو أصل كل عمل؛ ولهذا قالوا: مدار الإسلام على ثلاثة أحاديث فذكروه منها، كقول أحمد حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، و(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) (والحـلال بين والحرام بين)، ووجه هذا الحديث أن الدين فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه.
فحديث الحلال بين فيه بيان ما نهى عنه. والذي أمر الله به نوعان: أحدهما: العمل الظاهر، وهو ما كان واجبا أو مستحبا، والثاني: العمل الباطن، وهو إخلاص الدين لله. فقوله: (من عمل عملا) إلخ ينفي التقرب إلى الله بغير ما أمر الله به؛ أمر إيجاب أو أمر استحباب.
بيان إخلاص الدين لله
وقوله: (إنما الأعمال بالنيات) إلخ يبين العمل الباطن، وأن التقرب إلى الله إنما يكون بالإخلاص في الدين لله؛ كما قال الفضيل في قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] ، قال: أخلصه وأصوبه، قال: فإن العمل إذا كان خالصا، ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا، ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة، وعلى هذا دل قوله تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110] ، فالعمل الصالح هو ما أمر الله به ورسوله؛ أمر إيجاب أو أمر استحباب، وألا يشرك العبد بعبادة ربه أحدا، وهو إخلاص الدين لله.
وكذلك قوله تعالى: {بلي من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه} الآية [البقرة: 112] وقوله: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} [النساء: 125]، وقوله: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقي} [لقمان: 22]، فإن إسلام الوجه لله يتضمن إخلاص العمل لله، والإحسان هو إحسان العمل لله وهو فعل ما أمر به فيه كما قال تعالى: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} [الكهف: 30]، فإن الإساءة في العمل الصالح تتضمن الاستهانة بالأمر به، والاستهانة بنفس العمل، والاستهانة بما وعده الله من الثواب، فإذا أخلص العبد دينه لله وأحسن العمل له كان ممن أسلم وجهه لله وهو محسن، فكان من الذين لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
النية معناها إرادة الشئ
لفظ [النية] في كلام العرب من جنس لفظ القصد والإرادة، ونحو ذلك، تقول العرب: نواك الله بخير، أي: أرادك بخير، ويقولون: نوي منويه، وهو المكان الذين ينويه، يسمونه نوي، كما يقولون: قبض بمعني مقبوض، والنية يعبر بها عن نوع من إرادة، ويعبر بها عن نفس المراد، كقول العرب: هذه نيتي، يعني: هذه البقعة هي التي نويت إتيانها، ويقولون: نيته قريبة أو بعيدة، أي: البقعة التي نوي قصدها، لكن من الناس من يقول: إنها أخص من الإرادة؛ فإن إرادة الإنسان تتعلق بعمله وعمل غيره، والنية لا تكون إلا لعمله، فإنك تقول: أردت من فلان كذا، ولا تقول: نويت من فلان كذا.
النية قسمان: محمودة ومذمومة
وقـد تنازع الناس في قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) هل فيه إضمار، أو تخصيص؟ أو هو على ظاهره وعمومه؟
فذهب طائفة من المتأخرين إلى الأول، قالوا: لأن المراد بالنيات الأعمال الشرعية التي تجب أو تستحب، والأعمال كلها لا تشترط في صحتها هذه النيات، فإن قضاء الحقوق الواجبة من الغصوب والعواري والودائع والديون تبرأ ذمة الدافع، وإن لم يكن له في ذلك نية شرعية، بل تبرأ ذمته منها من غير فعل منه، كما لو تسلم المستحق عين ماله، أو أطارت الريح الثوب المودع أو المغصوب، فأوقعته في يد صاحبه، ونحو ذلك.
ثم قال بعض هؤلاء: تقديره إنما ثواب الأعمال المترتبة عليها بالنيات، أو إنما تقبل بالنيات، وقال بعضهم: تقديره إنما الأعمال الشرعية،أو إنما صحتها، أو إنما إجزاؤها، ونحو ذلك.
وقال الجمهور: بل الحديث على ظاهره وعمومه، فإنه لم يرد بالنيات فيه الأعمال الصالحة وحدها، بل أراد النية المحمودة والمذمومة، والعمل المحمود والمذموم؛ ولهذا قال في تمامه: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) إلخ، فذكر النية المحمودة بالهجرة إلى الله ورسوله فقط، والنية المذمومة وهي الهجرة إلى امرأة أو مال، وهذا ذكره تفصيلا بعد إجمال، فقال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، ثم فصل ذلك بقوله: (فمن كانت هجرته) إلخ.
وقد روي أن سبب هذا الحديث: أن رجلا كان قد هاجر من مكة إلى المدينة لأجل امرأة كان يحبها تدعي أم قيس، فكانت هجرته لأجلها، فكان يسمي مهاجر أم قيس، فلهذا ذكر فيه: (أو امرأة يتزوجها ـ وفي رواية ـ ينكحها) فخص المرأة بالذكر لاقتضاء سبب الحديث لذلك. والله أعلم.
والسبب الذي خـرج عليه اللفـظ العام لا يجوز إخراجـه منه باتفـاق الناس، والهجرة في الظاهر هي: سفر من مكان إلى مكان، والسفر جنس تحته أنواع مختلفة تختلف باختـلاف نيـة صاحبـه. فقد يكـون سفرا واجبا، كحج أو جهـاد متعين، وقد يكون محرما؛ كسفر العادي لقطعالطريق، والباغي على جماعة المسلمين، والعبد الآبق. والمرأة الناشز.
ولهذا تكلم الفقهاء في الفرق بين العاصي بسفره، والعاصي في سفره، فقالوا: إذا سافر سفرا مباحا؛ كالحج والعمرة والجهاد جاز له فيه القصر والفطر باتفاق الأئمة الأربعة، وإن عصي في ذلك السفر. وأما إذا كان عاصيا بسفره؛ كقطع الطريق، وغير ذلك فهل يجوز له الترخص برخص السفر كالفطر والقصر؟ فيه نزاع:
فمذهب مالك، والشافعي، وأحمد: أنه لا يجوز له القصر والفطر، ومذهب أبي حنيفة يجوز له ذلك، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر هذا السفر وهذا السفر علم أن مقصوده ذكر جنس الأعمال مطلقا، لا نفس العمل الذي هو قربة بنفسه كالصلاة والصيام، ومقصوده ذكر جنس النية، وحينئذ يتبين أن قوله: (إنما الأعمال بالنيات) مما خصه الله تعالى به من جوامع الكلم، كما قال: (بعثت بجوامع الكلم)، وهذا الحديث من أجمع الكلم الجوامع التي بعث بها، فإن كل عمل يعمله عامل من خير وشر هو بحسب ما نواه، فإن قصد بعمله مقصودا حسنا كان له ذلك المقصود الحسن، وإن قصد به مقصودا سيئا كان له ما نواه.
النية تعني الغاية المحركة للعمل
ولفظ [النية] يراد بها النوع من المصدر،ويراد بها المنوي، واستعمالها في هذا لعله أغلب في كلام العرب، فيكون المراد إنما الأعمال بحسب ما نواه العامل،أي:بحسب منويه؛ولهذا قال في تمامه:(فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله) فذكر ما ينويه العامل ويريده بعمله وهو الغاية المطلوبة له،فإن كل متحرك بالإرادة لابد له من مراد.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأقبحها حرب ومرة، وأصدقها حارث وهمام) فإن كل آدمي حارث وهمام، والحارث هو العامل الكاسب، والهمام الذي يهم ويريد. قال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} [الشوري: 20] ، فقوله حرث الدنيا أي: كسبها وعملها؛ ولهذا وضع الحريري مقاماته على لسان الحارث بن همام؛ لصدق هذا الوصف على كل أحد.
النية نوعان: تمييز بين الأعمال أو بين الغايات
ولفظ [النية] يجري في كلام العلماء على نوعين: فتارة يريدون بها تمييز عمل من عمل، وعبادة من عبادة، وتارة يريدون بها تمييز معبود عن معبود، ومعمول له عن معمول له.
فالأول: كلامهم في النية: هل هي شرط في طهارة الأحداث؟ وهل تشترط نية التعيين والتبييت في الصيام؟ وإذا نوي بطهارته ما يستحب لها هل تجزيه عن الواجب؟ أو أنه لابد في الصلاة من نية التعيين ونحو ذلك ؟
والثاني: كالتمييز بين إخلاص العمل لله، وبين أهل الرياء والسمعة، كما سألـوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) وهذا الحديث يدخل فيه سائر الأعمال، وهذه النية تميز بين من يريد الله بعمله والدار الآخرة، وبين من يريد الدنيا؛ مالا وجاها ومدحا وثناء وتعظيما، وغير ذلك، والحديث دل على هذه النية بالقصد، وإن كان قـد يقال: إن عمومه يتناول النوعين، فإنه فرق بين من يريد الله ورسوله،وبين من يريد دنيا أو امرأة، ففرق بين معمول له ومعمول له. ولم يفرق بين عمل وعمل.
وقد ذكر الله تعالى الإخلاص في كتابه في غير موضع، كقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5] ، وقوله: {فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 2، 3] . وقوله: {قل الله أعبد مخلصا له ديني} [الزمر: 14] ، وغير ذلك من الآيات.
وإخلاص الدين هو أصل دين الإسلام؛ ولذلك ذم الرياء في مثل قوله: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون} [الماعون: 4ـ6] ، وقوله: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} [النساء: 142] ، وقال تعالى:{كالذي ينفق ماله رئاء الناس} الآية [البقرة:264] ، وقوله تعالى: {والذين ينفقون أموالهم رئـاء الناس} الآية [النساء: 38] .
تمييز الأعمال بالنية
وقد اتفق العلماء على أن العبادة المقصودة لنفسها؛ كالصلاة والصيام والحج لا تصح إلا بنية، وتنازعوا في الطهارة، مثل: من يكون عليه جنابة فينساها، ويغتسل للنظافة، فقال مالك والشافعي وأحمد: النيةشرط لطهارة الأحداث كلها. وقال أبو حنيفة: لا تشترط في الطهارة بالماء بخلاف التيمم، وقال زفر: لا تشترط لا في هذا ولا في هذا، وقال بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد: تشترط لإزالة النجاسة، وهذا القول شاذ؛ فإن إزالة النجاسة لا يشترط فيها عمل العبد، بل تزول بالمطر النازل، والنهر الجاري، ونحو ذلك، فكيف تشترط لها النية؟!
وأيضا، فإن إزالة النجاسة من باب التروك لا من باب الأعمال؛ ولهذا لو لم يخطر بقلبه في الصلاة أنه مجتنب النجاسة صحت صلاته إذا كان مجتنبا لها؛ ولهـذا قـال مالك وأحمد ـ في المشهور عنه ـ والشافعي ـ في أحد قوليه ـ: لو صلى وعليه نجاسة لم يعلم بها إلا بعد الصلاة لم يعد؛ لأنه من باب التروك.
وقد ذكر الله عن المؤمنين قولهم: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] . وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله تعالى قال قد فعلت) فمن فعل ما نهى عنه ناسيا أو مخطئا فلا إثم عليه، بخلاف من ترك ما أمر به، كمن ترك الصلاة فلابد من قضائها.
ولهذا فرق أكثر العلماء في الصلاة والصيام والإحرام بين من فعل المحظور ناسيا، وبين من ترك الواجب ناسيا، كمن تكلم في الصلاة ناسيا، ومن أكل في الصيام ناسيا، ومن تطيب أو لبس ناسيا في الإحرام. والذين يوجبون النية في طهارة الأحداث يحتجون بهذا الحديث على أبي حنيفة، وأبو حنيفة يسلم أن الطهارة غير المنوية ليست عبادة ولا ثواب فيها، وإنما النزاع في صحة الصلاة بها، فقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) لا يدل على محل النزاع إلا إذا ضمت إليه مقدمة أخري، وهو أن الطهارة لا تكون إلا عبادة، والعبادة لا تصح إلا بنية، وهذه المقدمة إذا سلمت لم تحتج إلى الاستدلال بهذا، فإن الناس متفقون على أن ما لا يكون إلا عبادة لا يصح إلا بنية، بخلاف ما يقع عبادة وغير عبادة، كأداء الأمانات وقضاء الديون.
وحينئذ، فالمسألة مدارها على أن الوضوء هل يقع غير عبادة؟ والجمهور يحتجون بالنصوص الواردة في ثوابه، كقوله: (إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء) وأمثال ذلك، فيقولون: ففيه الثواب لعموم النصوص، والثواب لا يكون إلا مع النية، فالوضوء لا يكون إلا بنية.
وأبو حنيفة يقول: الطهارة شرط من شرائط الصلاة، فلا تشترط لها النية؛ كاللباس وإزالة النجاسة، وأولئك يقولون: اللباس والإزالة يقعان عبادة وغير عبادة؛ ولهذا لم يرد نص بثواب الإنسان على جنس اللباس والإزالة، وقد وردت النصوص بالثواب على جنس الوضوء.
وأبو حنيفة يقول: النصوص وردت بالثواب على الوضوء المعتاد، وعامة المسلمين إنما يتوضؤون بالنية، والوضوء الخالي عن النية نادر لا يقع إلا لمثل من أراد تعليم غيره، ونحو ذلك، والجمهور يقولون: هذا الوضوء الذي اعتاده المسلمون هو الوضوء الشرعي الذي تصح به الصلاة، وما سوي هذا لا يدخل في نصوص الشارع، كقوله صلى الله عليه وسلم:(لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فإن المخاطبين لا يعرفون الوضوء المأمور به إلا الوضوء الذي أثني عليه، وحث عليه، وغير هذا لا يعرفونه، فلا يقصد إدخاله في عموم كلامه، ولا يتناوله النص.
تمييز الغايات بالنية
وأما النية التي هي إخلاص الدين لله فقد تكلم الناس في حدها، وحد الإخلاص، كقول بعضهم: المخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس من أجل صلاح قلبه مع الله ـ عز وجل، ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله، وأمثال ذلك من كلامهم الحسن. لكن كلامهم يتضمن الإخلاص في سائر الأعمال، وهذا لا يقع من سائر الناس، بل لا يقع من أكثرهم، بل غالب المسلمين يخلصون لله في كثير من أعمالهم؛ كإخلاصهم في الأعمال المشتركة بينهم، مثل صوم شهر رمضان، فغالب المسلمين يصومونه لله، وكذلك من داوم على الصلوات فإنه لا يصلي إلا لله ـ عز وجل، بخلاف من لم يحافظ عليها فإنما يصلي حياء، أو رياء، أو لعلة دنيوية؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان؛ فإن الله تعالى يقول: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتي الزكاة ولم يخش إلا الله}) الآية [التوبة: 18] .
ومن لم يصل إلا بوضوء واغتسال فإنه لا يفعل ذلك إلا لله؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد، وابن ماجة من حديث ثوبان عنه أنه قال: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، فإن الوضوء سر بين العبد وبين الله ـ عز وجل)، وقد ينتقض وضوؤه ولا يدري به أحد، فإذا حافظ عليه لم يحافظ عليه إلا لله ـ سبحانه، ومن كان كذلك لا يكون إلا مؤمنا، والإخلاص في النفع المتعدي أقل منه في العبادات البدنية؛ ولهذا قال في الحديث المتفق على صحته: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) الحديث.
النية هى العلم في القلب والتكلم بها هوس
والنية محلها القلب باتفاق العلماء؛ فإن نوي بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأته النية باتفاقهم، وقد خرج بعض أصحاب الشافعي وجها من كلام الشافعي غلط فيه على الشافعي؛ فإن الشافعي إنما ذكر الفرق بين الصلاة والإحرام بأن الصلاة في أولها كلام، فظن بعض الغالطين أنه أراد التكلم بالنية، وإنما أراد التكبير، والنية تتبع العلم، فمن علم ما يريد فعله فلابد أن ينويه ضرورة، كمن قدم بين يديه طعاما ليأكله فإذا علم أنه يريد الأكل فلابد أن ينويه، وكذلك الركوب وغيره، بل لو كلف العباد أن يعملوا عملا بغير نية كلفوا ما لا يطيقون؛ فإن كل أحد إذا أراد أن يعمل عملا مشروعا، أو غير مشروع فعلمه سابق إلى قلبه، وذلك هو النية، وإذا علم الإنسان أنه يريد الطهارة والصلاة والصوم فلابد أن ينويه إذا علمه ضرورة، وإنما يتصور عدم النية إذا لم يعلم ما يريد، مثل: من نسي الجنابة واغتسل للنظافة أو للتبرد، أو من يريد أن يعلم غيره الوضوء ولم يرد أنه يتوضأ لنفسه، أو من لا يعلم أن غدا من رمضان فيصبح غير ناو للصوم.
وأما المسلم الذي يعلم أن غدا من رمضان ـ وهو يريد صوم رمضان ـ فهذا لابد أن ينويه ضرورة، ولا يحتاج أن يتكلم به، وأكثر ما يقع عدم التبييت والتعيين في رمضان عند الاشتباه، مثل: من لا يعلم أن غدا من رمضان أم لا، فينوي صوم رمضان مطلقا أو يقصد تطوعا، ثم يتبين أنه من رمضان، ولو تكلم بلسانه بشيء وفي قلبه خلافه كانت العبرة بما في قلبه لا بما لفظ به، ولو اعتقد بقاء الوقت فنوي الصلاة أداء، ثم تبين خروج الوقت، أو اعتقد خروجه فنواها قضاء، ثم تبين له بقاؤه أجزأته صلاته بالاتفاق.
ومن عرف هذا تبين له أن النية مع العلم في غاية اليسر لا تحتاج إلى وسوسة وآصار وأغلال؛ ولهذا قال بعض العلماء: الوسوسة إنما تحصل للعبد من جهل بالشرع أو خبل في العقل.
وقد تنازع الناس: هل يستحب التلفظ بالنية؟ فقالت طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: يستحب ليكون أبلغ، وقالت طائفة من أصحاب مالك وأحمد: لا يستحب ذلك، بل التلفظ بها بدعـة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لم ينقل عن واحـد منهم أنه تكلم بلفظ النية لا في صلاة، ولا طهارة، ولا صيام، قالوا: لأنها تحصل مع العلم بالفعل ضرورة، فالتكلم بها نوع هوس وعبث وهذيان، والنية تكون في قلب الإنسان ويعتقد أنها ليست في قلبه، فيريد تحصيلها بلسانه، وتحصيل الحاصل محال، فلذلك يقع كثير من الناس في أنواع من الوسواس.
واتفق العلماء على أنه لا يسوغ الجهر بالنية، لا لإمام، ولا لمأموم، ولا لمنفرد، ولا يستحب تكريرها، وإنما النزاع بينهم في التكلم بها سرا: هل يكره أو يستحب؟
لفظة [إنما] للحصر عند جماهير العلماء، وهذا مما يعرف بالاضطرار من لغة العرب، كما تعرف معاني حروف النفي والاستفهام والشرط، وغير ذلك، لكن تنازع الناس: هل دلالتها على الحصر بطريق المنطوق أو المفهوم؟ على قولين، والجمهور على أنه بطريق المنطوق، والقول الآخر قول بعض مثبتي المفهوم، كالقاضي أبي يعلى في أحد قوليه، وبعض الغلاة من نفاته، وهؤلاء زعموا أنها تفيد الحصر، واحتجوا بمثل قوله: {إنما المؤمنون} [الأنفال: 2] .
قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله) ليس هو تحصيل للحاصل، لكنه إخبار بأن من نوي بعمله شيئا فقد حصل له ما نواه، أي: من قصد بهجرته الله ورسوله حصل له ما قصده، ومن كان قصده الهجرة إلى دنيا أو امرأة فليس له إلا ذلك،فهذا تفصيل لقوله: (إنما الأعمال بالنيات)ولما أخبر أن لكل امرئ ما نوي ذكر أن لهذا ما نواه ولهذا ما نواه.
والهجرة مشتقة من الهجر، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله)، كما قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)، وهذا بيان منه لكمال مسمي هذا الاسم، كما قال: (ليس المسكين بهذا الطواف) إلخ، وقد يشبه هذا قوله: (ما تعدون المفلس فيكم؟) قالوا: من ليس له درهم ولا دينار. قال: (ليس هذا المفلس، ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم يبق له حسنة أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار). وقال: (ما تعدون الرقوب فيكم؟) قالوا: من لا يولد له. قال: (الرقوب من لم يقدم من ولده شيئا)، ومثله قوله: (ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
لكن في هذه الأحاديث مقصود وبيان ما هو أحق بأسماء المدح والذم مما يظنونه. فإن الإفلاس حاجة وذلك مكروه، فبين أن حقيقة الحاجة إنما تكون يوم القيامة، وكذلك عدم الولد تكرهه النفوس لعدم الولد النافع، فبين أن الانتفاع بالولد حقيقة إنما يكون في الآخرة لمنقدم أولاده بين يديه، وكذلك الشدة والقوة محبوبة، فبين أن قوة النفوس أحق بالمدح من قوة البدن، وهو أن يملك نفسه عند الغضب، كما قيل لبعض سادات العرب: ما بال عبيدكم أصبر منكم عند الحرب وعلى الأعمال؟ قال: هم أصبر أجسادا، ونحن أصبر نفوسا.
وأما قوله: في اسم المسلمين فهو من جنس قوله: في المسلم والمؤمن والمهاجر والمجاهد، وهذا مطابق لما تقدم من أن الشارع لا ينفي مسمي اسم شرعي إلا لانتفاء كماله الواجب؛ فإن هجر ما نهى الله عنه واجب، وسلامة المسلمين من عدوان الإنسان بلسانه ويده واجب، والمؤمن على دمائهم وأموالهم لا يكون من أمنه الناس إلا إذا كان أمينا والأمانة واجبة، والمسكين الذي لا يسأل ولا يعرف هو أحق بالإعطاء ممن أظهر حاجته وسؤاله، وعطاؤه واجب، وتخصيص السائل بالعطاء دون هذا لا يجوز، بل تخصيص الذي لا يسأل أولى وأوجب وأحب.
وقد قال صلى الله عليه وسلم:(لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية؛ وإذا استنفرتم فانفروا)، وقال: (لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو) وكلاهما حق. فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه، وهي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب، فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب، وكان الإيمان بالمدينة، فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها، فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام، ودخلت العرب في الإسلام صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام، فقال: (لا هجرة بعد الفتح). وكون الأرض دار كفر ودار إيمان أو دار فاسقين ليست صفة لازمة لها، بل هي صفة عارضة بحسب سكانها، فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت، فإن سكنها غير ما ذكرنا وتبدلت بغيرهم فهي دارهم.
وكذلك المسجد إذا تبدل بخمارة، أو صار دار فسق، أو دار ظلم، أو كنيسة يشرك فيها بالله كان بحسب سكانه، وكذلك دار الخمر والفسوق، ونحوها، إذا جعلت مسجدا يعبد الله فيه ـ جل وعز ـ كان بحسب ذلك، وكذلك الرجل الصالح يصير فاسقا والكافر يصير مؤمنا، أو المؤمن يصير كافرا،أو نحو ذلك، كل بحسب انتقال الأحوال من حال إلى حال، وقد قال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة} الآية [النحل: 112] ، نزلت في مكة لما كانت دار كفر، وهي ما زالت في نفسها خير أرض الله وأحب أرض الله إليه، وإنما أراد سكانها. فقد روي الترمذي مرفوعا، أنه قال لمكة وهو واقف بالحزورة: (والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت). وفي رواية: (خير أرض الله وأحب أرض الله إلى) فبين أنها أحب أرض الله إلى الله ورسوله، وكان مقامه بالمدينة ومقاممن معه من المؤمنين أفضل من مقامهم بمكة؛ لأجل أنها دار هجرتهم؛ ولهذا كان الرباط بالثغور أفضل من مجاورة مكة والمدينة، كما ثبت في الصحيح: (رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطا مات مجاهدا، وجري عليه عمله، وأجري رزقه من الجنة وأمن الفتان).
وفي السنن، عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنـه قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل) وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود؛ ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرض يكون فيها أطوع لله ورسوله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال، ولا تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها أفضل وإنما يكون الأفضل في حق كل إنسان بحسب التقوي والطاعة والخشوع والخضوع والحضور، وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس العبد عمله. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخي بين سلمان وأبي الدرداء، وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا.
وقد قال الله تعالى لموسى ـ عليه السلام ـ: {سأريكم دار الفاسقين} [الأعراف:145] ، وهي الدار التي كان بها أولئك العمالقة، ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين، وهي الدار التي دل عليها القرآن من الأرض المقدسة، وأرض مصر التي أورثها الله بني إسرائيل، فأحوال البلاد كأحوال العباد فيكون الرجل تارة مسلما، وتارة كافرا، وتارة مؤمنا، وتارة منافقا، وتارة برا تقيا، وتارة فاسقا، وتارة فاجرا شقيا.
وهكذا المساكن بحسب سكانها، فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة كتوبته وانتقاله من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة، وهذا أمر باق إلى يوم القيامة، والله تعالى قال: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولـئك منكم} [الأنفال:75] .
قالت طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة، وهكذا قوله تعالى: {للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل: 110] ، يدخل في معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه، أو أوقعه في معصية، ثم هجر السيئات وجاهـد نفسه وغيرها من العدو، وجاهد المنافقين بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وغير ذلك وصبر على ما أصابه من قول أو فعل. والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم.
| التعليقات |
|