مختارات عيد الفطر

من مؤلفات ابن القيم المشتهرة كتاب زاد المعاد في هدي خير ،وهو من المراجع الأساسية في السيرة ومعرفة هدي رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم في عبادته ومعاملاته.ومنه نقتبس هذه المادة المباركة النافعة في أسباب انشراح الصدر.
والإمام العلامة ابن قيم الجوزية ، واسمه محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد ، وكنيته أبو عبدالله وعرف بابن قيم ‏الجوزية لأن أباه كان قيما على المدرسة التي عرفت بالجوزية ، فاطلقوا عليه ابن قيم الجوزية ، كما نقول في لغتنا ‏المعاصرة ابن ناظر المدرسة. ولد الإمام ابن القيم في سنة ‏691‎‏-وتوفي رحمه الله ‏751‎‏ هجرية ، عرف العلامة ‏ابن القيم بغزارة العلم وكثرة العبادة وتحريه للحق ، وهو من أشهر تلاميذ الإمام ابن تيمية شيخ الإسلام رحمه الله. ‏
‏(‏1‎‏) الهدى والتوحيد
أعظم أسباب شرح الصدر التوحيد وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه . قال الله تعالى : أفمن شرح ‏الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [ الزمر ‏22‎‏ ] . وقال تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ‏يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء [ الأنعام ‏125‎‏ ] ، فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر ‏والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه ومنها : النور الذي يقذفه الله في قلب العبد وهو نور الإيمان فإنه ‏يشرح الصدر ويوسعه ويفرح القلب . فإذا فقد هذا النور من قلب العبد ضاق وحرج وصار في أضيق سجن وأصعبه . وقد روى ‏الترمذي في " جامعه " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح . قالوا : وما علامة ذلك يا ‏رسول الله ؟ قال الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله فيصيب العبد من انشراح صدره ‏بحسب نصيبه من هذا النور وكذلك النور الحسي والظلمة الحسية هذه تشرح الصدر وهذه تضيقه . ‏
‏(‏2‎‏) العلم النافع ‏
ومنها : العلم فإنه يشرح الصدر ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس فكلما اتسع علم العبد ‏انشرح صدره واتسع وليس هذا لكل علم بل للعلم الموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو العلم النافع فأهله أشرح الناس ‏صدرا وأوسعهم قلوبا وأحسنهم أخلاقا وأطيبهم عيشا . ‏
‏(‏3‎‏)الإنابة والمحبة ‏
ومنها : الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى ومحبته بكل القلب والإقبال عليه والتنعم بعبادته فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك . حتى ‏إنه ليقول أحيانا : إن كنت في الجنة في مثل هذه الحالة فإني إذا في عيش طيب وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر وطيب ‏النفس ونعيم القلب لا يعرفه إلا من له حس به وكلما كانت المحبة أقوى وأشد كان الصدر أفسح وأشرح ولا يضيق إلا عند رؤية ‏البطالين الفارغين من هذا الشأن فرؤيتهم قذى عينه ومخالطتهم حمى روحه . ‏
ومن أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله تعالى وتعلق القلب بغيره والغفلة عن ذكره ومحبة سواه فإن من أحب شيئا ‏غير الله عذب به وسجن قلبه في محبة ذلك الغير فما في الأرض أشقى منه ولا أكسف بالا ولا أنكد عيشا ولا أتعب قلبا فهما ‏محبتان محبة هي جنة الدنيا وسرور النفس ولذة القلب ونعيم الروح وغذاؤها ودواؤها بل حياتها وقرة عينها وهي محبة الله وحده ‏بكل القلب وانجذاب قوى الميل والإرادة والمحبة كلها إليه . ومحبة هي عذاب الروح وغم النفس وسجن القلب وضيق الصدر ‏وهي سبب الألم والنكد والعناء وهي محبة ما سواه سبحانه . ‏
(‏4‎‏)الذكر المستمر
ومن أسباب شرح الصدر دوام ذكره على كل حال وفي كل موطن فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر ونعيم القلب وللغفلة ‏تأثير عجيب في ضيقه وحبسه وعذابه . ‏
‏(‏5‎‏)الإحسان إلى الناس
ومنها : الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه والنفع بالبدن وأنواع الإحسان فإن الكريم المحسن أشرح الناس ‏صدرا وأطيبهم نفسا وأنعمهم قلبا والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدرا وأنكدهم عيشا وأعظمهم هما وغما . وقد ‏ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح مثلا للبخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد كلما هم المتصدق ‏بصدقة اتسعت عليه وانبسطت حتى يجر ثيابه ويعفي أثره وكلما هم البخيل بالصدقة لزمت كل حلقة مكانها ولم تتسع عليه فهذا ‏مثل انشراح صدر المؤمن المتصدق وانفساح قلبه ومثل ضيق صدر البخيل وانحصار قلبه ‏
‏(‏6‎‏)الشجاعة ‏
ومنها الشجاعة فإن الشجاع منشرح الصدر واسع البطان متسع القلب والجبان أضيق الناس صدرا وأحصرهم قلبا لا فرحة له ولا ‏سرور ولا لذة له ولا نعيم إلا من جنس ما للحيوان البهيمي وأما سرور الروح ولذتها ونعيمها وابتهاجها فمحرم على كل جبان كما ‏هو محرم على كل بخيل وعلى كل معرض عن الله سبحانه غافل عن ذكره جاهل به وبأسمائه تعالى وصفاته ودينه متعلق القلب ‏بغيره
وإن هذا النعيم والسرور يصير في القبر رياضا وجنة وذلك الضيق والحصر ينقلب في القبر عذابا وسجنا . ‏
فحال العبد في القبر كحال القلب في الصدر نعيما وعذابا وسجنا وانطلاقا ولا عبرة بانشراح صدر هذا لعارض ولا بضيق صدر ‏هذا لعارض فإن العوارض تزول بزوال أسبابها وإنما المعول على الصفة التي قامت بالقلب توجب انشراحه وحبسه فهي الميزان ‏والله المستعان . ‏
‏(‏7‎‏)طهارة القلب ‏
ومنها بل من أعظمها : إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي توجب ضيقه وعذابه وتحول بينه وبين حصول البرء فإن ‏الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرح صدره ولم يخرج تلك الأوصاف المذمومة من قلبه لم يحظ من انشراح صدره بطائل وغايته ‏أن يكون له مادتان تعتوران على قلبه وهو للمادة الغالبة عليه منهما . ‏
‏(‏8‎‏)البعد عن الفضول
ومنها : ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والأكل والنوم فإن هذه الفضول تستحيل آلاما وغموما وهموما في القلب ‏تحصره وتحبسه وتضيقه ويتعذب بها بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها فلا إله إلا الله ما أضيق صدر من ضرب في كل آفة من ‏هذه الآفات بسهم وما أنكد عيشه وما أسوأ حاله وما أشد حصر قلبه ولا إله إلا الله ما أنعم عيش من ضرب في كل خصلة من تلك ‏الخصال المحمودة بسهم وكانت همته دائرة عليها حائمة حولها فلهذا نصيب وافر من قوله تعالى : إن الأبرار لفي نعيم [ ‏الانفطار ‏13‎‏ ] ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى : وإن الفجار لفي جحيم [ الانفطار ‏14‎‏ ] وبينهما مراتب متفاوتة لا يحصيها ‏إلا الله تبارك وتعالى . ‏
‏(‏9‎‏)إتباع السنة
والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكمل الخلق في كل صفة يحصل بها انشراح الصدر واتساع القلب وقرة العين ‏وحياة الروح فهو أكمل الخلق في هذا الشرح والحياة وقرة العين مع ما خص به من الشرح الحسي وأكمل الخلق متابعة له أكملهم ‏انشراحا ولذة وقرة عين وعلى حسب متابعته ينال العبد من انشراح صدره وقرة عينه ولذة روحه ما ينال فهو صلى الله عليه وسلم ‏في ذروة الكمال من شرح الصدر ورفع الذكر ووضع الوزر ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم من اتباعه والله المستعان . وهكذا ‏لأتباعه نصيب من حفظ الله لهم وعصمته إياهم ودفاعه عنهم وإعزازه لهم ونصره لهم بحسب نصيبهم من المتابعة فمستقل ‏ومستكثر . فمن وجد خيرا فليحمد الله . ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. ‏
التعليقات
أضف جديد بحث
مجهول   |89.5.96.xxx |2009-10-04 00:07:18
جزاكم الله خيرا اكثر من رائع
أضف تعليقك
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
 

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."