من الأمور التي انتشرت هذه الأيام في كثير من المساجد ، وجود حاجز فاصل بين الرجال والنساء. وقد انتشرت هذه العادة واختلف الناس فيها بين موجب لها ومنكر لها. وقد احتج كل فريق بأدلة مما جعل الأمر يلتبس على كثير من الناس، ولهذا يحتاج إلى بيان حكم هذه العادة وإيضاح الحق فيها.
حكم هذه العادة:
أما حكم هذا الحاجز، فإن كان الحاجز لا يسد الرؤية –كأن يكون مشبّكاً أو من قماش رقيق– بمعنى أن صفوف الرجال ترى منه، فالأمر مشكل. لأنه قد يدخل في باب البدع، وقد يدخل في باب المصالح المرسلة. وإن كان الحاجز أو الفاصل عازلاً بحيث لا يرين النساء الرجال، فلا أشك في بدعيته، بل إني أشك في صحة صلاتهن مأمومات.
جاء في كتاب "جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام" المشهور بفتاوى البرزلي (1|391): «وللنساء عادة أنهن يصلين في الجامع، وفي سقائفه، ويكثر الناس يوم الجمعة، فربما اتصلت صفوف الرجال بالنساء، وربما خالط بعض النساء الرجال. واتفق رأي القاضي وبعض الشيوخ على أن تجعل مقصورة في بعض السقائف منه للنساء، وتثبت للسترة بالآجر، ويصلي النساء فيها في أوقات الصلاة. فقام محتسب من طلبة العلم، وقال: لا يُحدَث في الجامع ما لم يكن فيه قديماً حتى يستشار أهل العلم... فأجاب أبو الحسن اللخمي رحمه الله:...وإذا كان الموضع الذي تصلي النساء فيه للرجال إليه حاجة –ولو لم يسبقه النساء– لصلى فيه الرجال لم يبن هناك شيء، ومنع النساء الإتيان، والرجال أحق به. ولو لم يضق على الرجال، ولم يحتاجوا لذلك الموضع، كان بناء سترةً بينهم وحاجزاً حسناً».
ويتبين من خلال الفتوى أن الحاجز وغيره لم يكن العادة، بل الاستثناء. أما اللخمي (ت478هـ) فهو تقريباً آخر علماء القيروان قبل هجوم بني هلال الذي قضى على الحياة العلمية بالقيروان. واللخمي لا يحيل إلى الأقدمين في هذه المسألة، لأن تلك المسألة لم تكن موجودة عندهم. ولم نجد في القرون الثلاثة الأولى أي ذكر لهذا الحاجز، مما يؤكد أنه أمر مُحدّث.
حجج القائلين بوجوب فرض الحاجز:
-المساجد تغيرت عما كان عليه الحال في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من حيث وجود الإضاءة الكثيرة الكاشفة، ومن حيث كثرة خروج النساء في هذا الزمن، ومن حيث قلة التزام كثير من الناس بأحكام الإسلام.
مناقشة حجة القائلين بالوجوب:
-كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذا جاء إليها طلاب العلم ليسمعوا منها أمرت بالحجاب فضرب بينهم وبينها، وحدثتهم من وراء الحجاب.
-الحجاب بين الرجال والنساء معروف، وقد شرعه الله في القرآن، فقال في سورة الأحزاب (53 (وإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ من وراء حجابٍ ذَلِكُمْ أطهرُ لقلوبكم وقلوبهن}.
ومع ذلك لم يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحجاب في المسجد. فدل على أن المخالفة هنا مقصودة، وأن الحجاب المأمور به في القرآن لا يشمل المسجد. ويبقى أن نجعل للنساء باباً مستقلاً، وهو الوارد في السنة. لكن وضع الحاجز لم يأت به نص. فلا يجوز -أي في الأصل- منعه ولا يجوز كذلك إيجابه. أما عن تغير أحوال الناس فقد كان في المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منافقون. وكان المسجد تأتيه الوفود من غير المسلمين، بل ومن النصارى كذلك. وكان في المدينة فُسّاق يؤذون النساء بالليل. وقد كانت الصحابيات رضوان الله عليهن يخصّهنّ الرسول صلى الله عليه وسلم بدروس كذلك. فكن يأتين للمسجد لهذا الغرض، عدا الصلوات الخمسة والجمع. ومع ذلك لم يضع حاجزاً.
فالقول بالإيجاب بدعة.
القول الراجح:
وهذا يختلف عن القول بالجواز أو الاستحسان الشخصي. أما المصالح المرسلة فهي خلافية بين العلماء. ولا يكاد يقول بإطلاقها إلا المالكية. وقد شنع ابن حزم عليهم كثيراً بسببها. وعند الحنفية والحنابلة بعض الأمور يقال أنها شبيهة بالمصالح المرسلة، لكنهم لم يتوسعوا بها. وهذه النقطة هي من الخلافات المشهورة بين الشافعية والمالكية. نعم، هناك من حاول التوفيق بين المذهبين لكن في هذا بعض التكلف، والله أعلم. وإجمالاً فالخلاف على المصالح المرسلة لا ينكره أحد، وهي من المسائل الاجتهادية. ثم إن الإمام مالك (القائل بها) لم يقم بوضع حواجز في المساجد، فضلاً أن يوجب ذلك. وهذا غير مسألة المآذن ومكبرات الصوت، لأن هذه ليست إلزامية أصلاً. ولا نتعبد بها. ولا خلاف في صحة الصلاة في المسجد الذي ليس فيه مكبراً للصوت.
ومع ذلك فأنا لا أمنع الحاجز، بل أراه أحياناً حسناً لكني أمنع إيجابه. وهناك فرق بين الاستحسان الشخصي وبين التشريع أي جعله مستحباً أو واجباً. وقد نص الإمام الشافعي في كتابه "الأم" على أنه لا يجوز لأحد أن يشرّع بالاستحسان.
وبعض النسوة يعترضن عليه بأنهن لا يستطعن رؤية الخطيب وبالتالي يتسبب هذا بشرودهن أثناء الخطبة. هذا واشتراط رؤية المأموم للإمام أو آخر المأمومين قد قال به جمع من العلماء، فليراع هذا الخلاف. وهذا المطلب هو مقصدٌ شرعي، وهو من حكم مشروعية صلاة الجماعة، وهذا المقصد تحرم منه النساء بسبب هذا الحاجز. وعند انقطاع الصوت، تقع النساء في فوضى، فلا يعرفن ما الذي يفعلنه. وفي هذه الحالة يمكن مثلاً وضع تلفاز في مصلى النساء أو أن يتم تخصيص الجزء الأيسر من المسجد للنساء، مع وضع حاجز في آخره وإزالة الحاجز من أوله (يعني من جهة الخطيب)، بحيث تتمكن النساء من رؤية الخطيب لو شئن. لكن هذا الأمور يندر مراعاتها.
ومن أدلة القائلين بوجوب الحاجز قولهم: «منع الاختلاط واجب، وما لا يتم الواجب به فهو واجب. والحاجز يمنع الاختلاط، ويؤدي نفس العمل الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص عليه». أقول: فهل غفل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الواجب؟ وهل غفل عنه الصحابة الكرام من بعده ؟ ولِمَ لم يبين الله لنا هذا {وما كان ربك نسيا}؟ ثم ألا يسعنا ما وسِعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ فالقاعدة التي ذكرها الإمام الشاطبي (مع التنبيه إلى أنه كان مالكياً يقول بالمصالح المرسلة) في "الاعتصام": إذا وجد المقتضي وعدم المانع ومع ذلك لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم دلأن ذلك لا يشرع. أي أنه من البدع.