مختارات عيد الفطر


أ.د. علي الطاهر شرف الدين - معهد السودان للعلوم الطبيعية

8099يجدر بنا أن ندرك ابتداء أن الله تعالى الذى خلق الكون على هذا النحو الرائع البديع قد أودع فيه أمره (ألا له ‏الخلق والامر) [الأعراف : 7"‏‎ ‎هذا الخلق وهذا الأمر يتمثلان في الحركة الدؤوبة لعناصر هذا الكون سيما ما ‏ينتج عنها من تعاقب الليل والنهار وتتابع الشهور والفصول والسنين وما يتأتى من ذلك من سلوك الاحياء ‏والناس على الارض. ‏

 

وهنا نلحظ أنه تعالى أراد أن تكون عبادتنا له متسقة مع حركة هذا الكون متناغمة مع إيقاعات الطبيعة. ‏

إن أقرب جرميين سماويين إلى الأرض من خلال هذه الحركة الكونية تتأثر بهما الحياة على وجه هذا الكوكب ‏الذي نعيش فيه هما الشمس والقمر الذيْن أقسم الله بهما (والشمس وضحاها. والقمر إذا تلاها) [الشمس : ‏‏1،2 ".‏

لقد جعل الله تعالى مواقيت أداء الشعائر الدينية مثل الصلاة والزكاة والحج والصوم وثيقة الصلة بالحركة ‏الظاهرة لهذين الجرمين بالنسبة للأرض أو حركة الأرض بالنسبة لكليهما. ‏

لهذا فإن العبادات ومنها الصوم يجب أن يفهم مغزاها في إطار هذا التصور الذي تتكامل فيه المعاني التعبدية ‏مع السنن الكونية، كما يجب أن نعي – من خلال هذا النسق – أن ما يفضي إليه العلم الطبيعي من وصف ‏لظاهرات الكون إنما يتواءم مع الفهم القويم لنصوص الدين، وما تشتمل عليه هذه النصوص من دلالات.‏

إننا نعلم أن القمر يتبع كوكب الأرض أثناء دورانهما حول الشمس ويدور حول هذا الكوكب أثناء دورانه حول ‏نفسه الذي ندركه بتعاقب الليل والنهار. وهذه الحركة النسبية حول الشمس ينتج عنها وضع يصير فيه القمر ‏والأرض محاذيين لها. ويطلق الفلكيون على هذا الوضع مصطلح الاقتران. وحالة الاقتران ظاهرة طبيعية ‏وسنة من سنن الله الجارية، وتوقيت حدوثها محسوب بدقة لا يخالطها شك، ومثبت في جداول فلكية لكل ‏مناطق العالم لسنوات عديدة قادمة. هذه من الحقائق القطعية التي لا يختلف فيها أهل العلم. ‏

وفي الفترة عندما يقترب القمر من وضع الاقتران حيث يكون محاقاً إلى ان يخرج منه يستحيل رؤيته في أي ‏موضع على وجه الكرة الأرضية وبأي وسيلة بصرية. وهذه الحالة يعرفها عامة الناس، ومارس المسلمون ‏عبر تاريخهم رصدها كحالة سابقة لتحري الهلال.‏

ولم تكن هنالك - مشكلة في تاريخنا السالف - إزاء تحديد بداية الشهور القمرية ناتجة عن قصور في العلم، ‏بل ما يدعو للاستغراب أن المشكلة تحدث في زماننا هذا بسبب هذا القصور وذلك على الرغم من تطور ‏الوسائل وسرعة الرسائل. وهذا القصور – في عصرنا هذا – مرده إلى أن المختصين في العلوم الشرعية في ‏غالبهم، لم يعودوا عالمين بحساب منازل القمر كما كان أسلافهم ممن جمعوا بين الفقه الشرعي والمعرفة ‏الفلكية، كما أن بعضاً من المنسوبين إلى علم الفلك ممن أُقحموا في مسألة إثبات بداية شهر الصوم إما غير ‏ملمين بما تنطوي عليه دلالات النصوص الدينية أو غير آبهين بها، وذلك على خلاف ما كان عليه الفلكيون ‏المسلمون السابقون ممن زاوجوا بين معرفة عميقة بشرائع الدين ومسائل الفلك المتصلة بها. هذا بالإضافة ‏إلى أن تطور آلات الإبصار وسرعة الاتصال ودقة الحساب الفلكي – مع ما لها من ايجابيات مؤكدة – قد ‏أسهمت في إبراز هذا القصور لما أحدثته من التباس لدى هؤلاء في فهم نصوص الدين وتكييف هذه ‏المستجدات عليها. ‏

إذن فما المشكلة؟؟

المشكلة هي اختلاف المسلمين في بلاد العالم الإسلامي المختلفة في تحديد بداية الشهور القمرية المرتبطة ‏بعبادات كالصوم والحج وغيرها وذلك على الرغم من توافر النصوص الشرعية والتراث المعرفي الديني ‏بالإضافة إلى ما بلغه العلم والتقانة الحديثة من درجة عالية في دقة الإثبات إزاء إمكان رؤية الهلال أو نفيه.‏

لحل هذه المشكلة يلزم أولاً تحديدها وحصرها ووضعها في الإطار المعرفي المرجعي الذي يجب أن تحل فيه، ‏ثم تشخيص أسبابها ومعالجة هذه الأسباب في هذا الإطار المرجعي خلوصاً للحل.‏

الاطار المرجعي:‏

القضية المطروحة تتعلق بتوقيت عباده وشعيرة دينية بالغة الأهمية هو تحديد بداية شهر الصوم ونهايته. ‏لذلك فإن المرجع لمناقشة الخلاف القائم هو:‏

نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة ولا مرجع غيرها ولا اجتهاد مع وجود هذه النصوص إلا في فهم ‏دلالاتها.‏

ونستعين على فهم ما جاء في هذه النصوص بالآتي:‏

أ‌. دلالات الألفاظ بما تقتضبه صحة اللغة ودقتها في اللسان العربي الفصيح.‏

ب. ما فهمه علماء الإسلام من هذه النصوص وما انتهجته الأمة وفق هذا الفهم في تحديد بداية شهر الصوم ‏والفطر منه على امتداد تاريخها السابق المجيد. ‏

هنا يجب أن نضع في الحسبان أن فهمنا لآيات الله في القرآن الكريم يتعمق كلما اتسعت مدارك العقل في فهم ‏آياته تعالى في الطبيعة، وأن الفكر القويم ينفي أي انفصام بين ما يستفاد به من فهم نصوص شرعية أو ‏وصف سنة كونية تتعلق بموضوع معين. وذلك في نسق توحيدي يعبر عن وحدة الخالق في خلقه وأمره.‏

وقبل أن نورد هذه النصوص بحسبها الدواء يجدر بنا أن نشخص الداء.‏

تشخيص القضية:‏

المشكلة فقهية وتنطوي في بعض وجوهها على لبس في فهم دلالات النصوص أو ألفاظها وكذلك على وجود ‏خلط في مدلول بعض المسميات الفلكية. وفي مجمل ذلك وبغض النظر عن الخلافات المذهبية المتعلقة بشروط ‏إثبات الرؤية فإن ثمة خلافات أخرى ناتجة عن ما ذكرنا من قصور في استيعاب القضية يتمثل في الآراء ‏الفقهية التالية:‏

أولاً: الأخذ بالرؤية البصرية مع اختلاف في اعتماد شهادة العدل أو العدلين أو الجماعة وذلك على وجهين:‏

أ. الرؤية البصرية فقط (مع خلاف في كون الإبصار بالعين المجردة أم باستخدام آلة بصرية) مع رفض ‏الحساب كليا بحسبه – لدى أصحاب هذا الرأي - ضرباً من التنجيم المنهي عنه شرعاً.‏

ب. الرؤية البصرية مع جواز الاستئناس بالحساب الفلكي. ‏

ثانياً: الأخذ بالحساب وجواز الأخذ بالرؤية البصرية بالعين المجردة أو من خلال آلة بصرية.‏

ثالثاً: الأخذ بالحساب فقط واعتبار تحري الرؤية البصرية – عند ذوي هذا الرأي - مجرد وسيلة لم تعد ‏ضرورية وهذا على الوجوه التالية:‏

أ. إذا حدث الاقتران قبل غروب الشمس يكون ما بعد الغروب أول ليالي الشهر. ‏

ب. إذا حدث الاقتران قبل الفجر يكون ما بعده وقت الإمساك لصيام أول يوم في الشهر. ‏

رابعاً: الأخذ بالحساب بحسبه وسيلة ضرورية لتحديد وقت تحري رؤية الهلال ومكان وإمكان رؤيته بالعين أو ‏بالمنظار، واعتماد هذا الحساب في نفي أي خبر عن رؤية غير ممكنة. ولكن مع كونه ضرورياً فإن الحساب ‏لا يغني عن تحري الرؤية بحسب أن التحري من السنة النبوية وأنه احتفاء بمقدم الشهر الكريم. ‏

الآن بعدما استعرضنا هذه الآراء وما تضمنته من أوجه الخلاف الفقهي، نورد هنا صور اللبس في فهم دلالات ‏الألفاظ والمسميات التي طالما ساهمت في بروز هذه الخلافات. من ذلك:‏

‏1. الخلط بين علم الفلك والتنجيم.‏

‏2. اللبس في المقابلة بين الحساب والرؤية والنظر إليهما كنقيضين.‏

‏3. اللبس في مدلول كلمة هلال.‏

‏4. الخلط بين ولادة القمر وظهور الهلال.‏

‏5. اللبس في مدلول الرؤية أهي رؤية بصرية أم ذهنية؟ ، بالعين المجردة تحديداً أم تجوز من خلال آلة ‏بصرية، وهل هي ضرورية ؟

‏6. عدم الوضوح حول الرؤية وإمكان الرؤية.‏

‏7. اللبس إزاء مفهوم وحدة المسلمين واختلاف المطالع.‏

والآن لكي نناقش ما أوردناه عاليه من صور في خلط المفاهيم يجب أن نورد النصوص المرجعية:‏

أ: من القرآن الكريم:‏

قوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) [الـبقرة : 189 ".‏

وقوله تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ‏الله ذلك إلا بالحق، يفصل الآيات لقوم يعلمون) [يونس: 5 ".‏

ب: من السنة النبوية الصحيحة:‏

قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له).‏

وقوله عليه السلام: (الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين).‏

وقوله: صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً. ‏

والآن بناء على ما أوضحنا عاليه يجب أن نناقش أوجه الخلاف في ضوء ما يفهم مما أوردنا من نصوص من ‏القرآن العظيم والسنة المطهرة. وذلك بسبب اللبس والخلط إزاء المفاهيم التالية:‏

‏1. علم الفلك وفن التنجيم:‏

علم الفلك، وكان يعرف بعلم الهيئة في تراثنا العلمي سابقاً، هو العلم الذي يُعنى بحساب حركة الأجرام ‏السماوية وتموضعها كالشمس والقمر والكواكب، ورصد كل في فلكه أي مداره (وكل في فلك يسبحون) [يس ‏‏: 40 "، كما جاء في التنزيل. وهذا الحساب مطلوب تعلمه بنص الآية الدالة على ذلك المذكورة آنفاً، فهذا ‏علم يصف سنة الله الماضية في كونه. وهو غير التنجيم الذي نُهي المسلمون عن تصديق من يخبر به، لأنه ‏رجم بالغيب لكونه ليس علماً مؤسساً على قوانين وحساب بل هو فن. ولعل هذا الخلط راجع لما ذهب إليه ‏البعض من أجل تفاديه سداً لذريعة أن من الفلكيين مَنْ كان يتعاطى التنجيم ومِنْ المنجمين مَنْ كان عالماً ‏بالفلك. هذا على الرغم من أن الاهتداء بالنجم ورد في سياق ذكر نعم الله على الانسان وهو خاصية جيدة ‏وعمل مفيد ومنصوص عنه في كتاب الله (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) [النحل : 16 ".‏

وعلى كلٍ فإن ما يهمنا من أمر إثبات بداية الشهر ينبني على حساب حركة الأرض والقمر إزاء الشمس ولا ‏علاقة له البتة بالنجوم ومن ثم بالتنجيم.‏

‏2. وضع الأخذ بالرؤية كنقيض للأخذ بالحساب في تحديد بداية الشهر

مما ذكرنا بما تفيد الآية أعلاه فإن الحساب واجب على فئة من المسلمين تعلمه لأهميته في استيفاء أمور ‏شرعية واجبة لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أما حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم: نحن أمة ‏أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا ....الخ، قد يساء فهمه، فهو لا ينكر الحساب الذي نص عليه القرآن ‏إنما يشرح عدة أيام الشهر بطريقة مبسطة وحساب ميسر لمن لا يكتبون ولا يحسبون. وهذا لا ينطبق على ‏أمة تكتب وتحسب. كما أن هذا الحديث – ابتداءً - لا يتطرق إلى حساب تحديد بداية الشهر أو نهايته وهو ما ‏يعنينا في هذا الموضوع. فالأخذ بالحساب ضروري لتحري الرؤية إذ أنه ينبؤنا بدرجة فائقة الدقة إمكان رؤية ‏الهلال ومتى وفي أي مناطق العالم يكون مطلعه، ومدى ارتفاعه على الأفق في كل موقع ومدة بقائه فيه ‏وميله عليه وحجمه وسطوعه، وهل يرى بالعين المجردة أم يلزم لرؤيته معينات بصرية في موضع دون ‏آخر؟ إذن فالأخذ بالحساب وسيلة مفيدة لتحري الرؤية وليس نقيضاً لها، وأن إعمال الرؤية إنما هو تطبيق ‏عملي وتحقيق لما قطع به الحساب. والمشكل اليوم بين ما يقطع به الحساب الفلكي وما يُنقل من خبر عن ‏رؤية ينفي الحساب إمكان حدوثها وفق القانون الذي فطر الله عليه حركة الكون.‏

‏3. مدلول كلمة هلال:‏

من حيث اللغة فان كلمة هلال من فعل هَلَّ أي ظهر من علٍ بعد استتار. وهي هنا تعني هذا الجزء الذي يظهر ‏من سطح القمر في شكل قوس من جراء انعكاس ضياء الشمس الساقط من عليه نوراً يصل إلى عين الرائي ‏في منطقة على الأرض عند انحسار ضوء الشمس بعيد غروبها في تلك المنطقة. والأهلة تفيد التعدد بحسب ‏اختلاف المناطق التي يمكن الرؤية فيها في أوقات متتالية. وهذا التعدد دليل على إعجاز القرآن الذي يعني أن ‏سطح الأرض كروياً. إذ لو كان سطحاً مستويا لرأى الناس هلالاً واحداً عند ظهوره بتفاوت في درجات ‏ارتفاعه. ولفظ الأهلة يعني تعددها في المكان الواحد لكل شهور السنة، ولكنه يعني كذلك تعددها في بداية ‏شهرٍ واحدٍ بظهورها في أوقات متفاوتة بالنسبة للناس المنتشرين على سطح الأرض كما في أية الأهلة الوارد ‏ذكرها عاليه، والتي تفيد أن الأهلة مواقيت للناس، كل الناس، حسب مواقعهم على وجه الأرض. ولقد أفرد ‏الحج لأن الناس فيه يكونون في موضع واحد وهو مكة المكرمة. وفي هذا بيان علمي رائع. ‏

‏4. ولادة القمر وظهور الهلال:‏

ظهور الهلال هو كما بينا أعلاه، أما ولادة القمر فهي مصطلح فلكي يعني بداية دورة القمر حول الأرض بُعيد ‏انحرافه عن حالة الاقتران. وفي خلال الفترة التي تسبق الاقتران وما تليها تنعكس أشعة الشمس في الفضاء ‏الخارجي عن الأرض ثم على سطحها المواجه للشمس خلال النهار. وتستحيل رؤية أي جزء من سطح القمر ‏إلا بعد مرور زمن مقدر كافٍ يتيح وصول بعض هذه الأشعة المنعكسة من على طرف من سطح القمر على ‏الأرض عند الخط الفاصل بين النهار والليل، أي عند الغروب في منطقة ما عليها، حيث تصير رؤية هذا ‏الطرف ممكنة في شكل هلال. ومن فضل الله تعالى على الناس وحكمته أن جعل الأهلة علامات كونية ظاهرة ‏يشهدها كل انسان مبصر وليست مقصورة على من يعلمون حسابها. فكثيرا ما يُخلط بين ظهور الهلال ‏المرتبط ببداية أول وآخر ليلة في صوم رمضان وولادة القمر التي لا علاقة لها بتلك البداية إذ أنها تحدث في ‏وقت واحد لكل الناس في كل مكان سواء أكان الزمن نهاراً أو ليلاً. ولعل اطرف تشبيه للقمر في استتاره قبل ‏أن يخرج هلالاً، الجنين في بطن أمه قبل أن يخرج طفلاً. فبداية عمر الانسان تحسب من يوم ولادته طفلاً، ‏وبداية الشهر تحسب من وقت ظهور هلاله.‏

وهنا يجب التنبيه إلى أن الهلال قد يكون عالياً وساطعاً في أول يوم لظهوره وهذا يعني أن مدة كبيرة قد ‏مضت منذ حالة الاقتران ولا يعني أن عمره بلغ الليلتين كما قد يتوهم البعض. ‏

ولكن يجب أن نشير إلى أن إدعاء رؤية الهلال قبل ولادة القمر أو بعده بفترة قليلة هو إدعاء زائف وزعم ‏داحض، وإن الأخذ بالاقتران واعتباره بداية لشهر الصوم إنما يتجاهل النصوص الشرعية بل ويتعارض معها ‏بصورة صريحة.‏

‏5. الرؤية أهي بصرية حسية أم ذهنية وضرورة تحريها:‏

القرآن يتحدث عن ضياء الشمس ونور القمر ومنازله التي نعلم بها الحساب ونلاحظها في تغير شكل قرصه ‏الذي نشاهده بالعين. وهذا فعل حسي، سيان سواء أكان بالعين المجردة أم من خلال منظار مكبر. أما الحساب ‏فهو رؤية عقلية. ولكن الرؤية المعنية في الحديث وفي مدلول آية الأهلة إنما هي بصرية. وليس أدل على ‏ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: فإن غُمَّ (أو غُبِّي) عليكم أي إذا قدرتم ظهور هلال رمضان بناء على رؤية ‏هلال شعبان ولكن – مع مظنة وجوده في الأفق وقتئذٍ - حجبه عنكم الغمام فلم تروه مساء اليوم التاسع ‏والعشرين فأكملوا الشهر ثلاثين يوما. وهذا يؤكد أهمية الرؤية لذاتها وتحريها بحسبها سنة نبوية يتأكد بها ‏وقت بداية شهر الصوم وينبغي ألا تهمل بسبب معرفة ذلك عن طريق الحساب. وهذا أشبه بالأذان الذي يتأكد ‏به دخول وقت الصلاة فلا يهمل بمعرفة دخول الوقت بالحساب. ‏

وهذا الحديث يفيد كذلك أن الرؤية بالعين المجردة أوفق لأنها تتيح مشاركة لأكبر عدد من المسلمين في اقتفاء ‏سنة الرسول عليه السلام. وفي هذا يسر، لأن الله لا يكلف الأنفس إلا وسعها، وهو تعالى إنما يريد بنا اليسر ‏ولا يريد بنا العسر كما يفهم ذلك مما تضمنته آيات الصيام في سورة البقرة. ‏

وأخيراً يبقى الاستعانة بالمنظار المكبر في الرؤية ممكناً في الحالات غير العادية. ‏

‏6. الرؤية وإمكان الرؤية:‏

مما سبق يتضح أن تحري الرؤية ضروري وهو سنة حافظ الرسول على أدائها وكان يدعو فيها ربه باليمن ‏والإيمان والسلامة والإسلام كما أورده الترمذي. ويجب أن ندرك أنه لا فرق بين الرؤية وإمكان الرؤية خاصة ‏في زماننا هذا. وذلك لثلاثة أسباب أولها: أن الحساب الفلكي على درجة من الدقة الكافية لإعطاء كل ‏المعلومات عن الهلال المطلوب تحري رؤيته. وثانيها: أن الآلات البصرية الرصدية بلغت قدرة فائقة في ‏إظهار شكل الهلال عندما يتعذر ذلك بالعين المجردة. وثالثها: لان الاتصال صار سريعا بحيث يمكن نقل خبر ‏الرؤية في وقت حدوثها بين أطراف المنطقة التي يمكن أن يرى فيها الهلال. ومجمل القول هنا أنه إذا أكد ‏الحساب الفلكي إمكان الرؤية في منطقة ما فإن هذه الرؤية يمكن تحقيقها بالنظر، أي أن الرؤيتين البصرية ‏والحسابية متلازمتان. ‏

‏7. وحدة المسلمين واختلاف المطالع:‏

من المعلوم أن الرؤية يمكن أن تتعسر بسبب الأحوال الجوية أو غيرها في موقع دون آخر عبر منطقة تكون ‏الرؤية ممكنه فيها على وجه العموم بحسبها تمثل مطلعاً واحداً للهلال. عندئذ لا عبرة في اختلاف المواقع في ‏المنطقة الواحدة. وذلك استجابة للحديث: صوموا لرؤية وأفطروا لرؤيته، لكونه خطاباً لجماعة المسلمين. ‏فالدعوة إلى وحدة المسلمين تقتضي التوحد في بداية صومهم وفطرهم. ‏

بيد أنه يجب التفريق بين اختلاف المطالع واختلاف المواقع في المنطقة التي تمثل مطلعاً واحداً للهلال وإن ‏اتسعت رقعتها. فاختلاف المطالع لا يعني تعذر الرؤية في موضع دون الآخر لأسباب عابرة بل يعني استحالة ‏الرؤية في منطقة دون أخرى بسبب عدم وصول أشعة الشمس المنعكسة من جرم القمر نوراً لتكون في شكل ‏هلال يمكن أن يرى من على الأرض. وهذا يعني أن منطقتين متجاورتين على الأرض يمكن أن تشكلا مطلعين ‏مختلفين بحيث تستحيل الرؤية في أحدهما دون الآخر. وبما أن الصوم مرتبط بالرؤية وان الرسول صلى الله ‏عليه وسلم قد نهى عن الصوم إلا بعد ثبوت الرؤية، إذن يكون لكل أهل مطلع رؤيتهم وبداية صومهم، كما ‏أفاد حديث كريب المعروف مع ابن عباس رضي الله عنهم. وهنا لا يحتج بضرورة وحدة المسلمين لأن هذه ‏الوحدة إنما تتحقق باتباع كلام الله عز وجل وهدي نبيه عليه السلام في المقام الأول، وليس على مخالفتهما. ‏لذلك فإن الذين تستحيل عندهم رؤية الهلال يجب ألا يتبعوا من لا تستحيل عندهم هذه الرؤية بدعوى هذه ‏الوحدة المتوهمة فيصومون قبل دخول الشهر يوماً وقد نهوا عنه. وقد يقعون بسبب ذلك في ما هو أشد ‏مخالفة للشرع، فطر يوم في آخر الشهر. ‏

وعلى العموم الأخذ باختلاف المطالع في تحديد بداية الشهر أو التغاضي عنه يظل موضع خلاف بين الفقهاء، ‏ويحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة سيما عندما تقع دولة ذات سلطان واحد في مطلعين مختلفين بحيث ‏تكون الرؤية ممكنة في جزء من أرض هذه الدولة في أول الليلة الأولى، وتستحيل مطلقاً وقتئذٍ في جزء آخر ‏منها لتكون ممكنة في اليوم التالي. ‏

خـاتمــة: ‏

والآن نخلص إلى الرأي الفقهي القويم – كما نراه – من بين ما ذكرنا أعلاه. ‏

وهذا الرأي يمكن تلخيصه في الآتي:‏

‏1. إن نصوص القرآن والسنة تجعل إثبات بداية الشهر وقفاً على الرؤية البصرية.‏

‏2. أنه لا خلاف بين نظرية الرؤية ورؤية النظر.‏

‏3. الحساب الفلكي ضروري لتحري الرؤية ولكن لا يغني عنها.‏

‏4. الخبر عن رؤية الهلال الذي ينفيه الحساب الفلكي مردود.‏

وأخيراً ما خلصنا إليه في هذا الملخص يضع – في نظرنا - أساساً قويماً لإثبات بداية الشهور في التقويم ‏الإسلامي ينبغي أن يأخذ به المسلمون.‏

حول هلال شهر رمضان 1430هـ

تحدث بداية دورة القمر عند الحالة التي يكون فيها بين الارض والشمس ومحاذياً لكليهما, وذلك في الساعة ‏الواحدة ودقيقتين بعد ظهر يوم الخميس 20/8/2009م الموافق للثامن والعشرين من شهر شعبان الذي ‏كانت بدايته يوم الجمعة 24/7/2009م . ‏

في مساء هذا اليوم الخميس 20/8/2009م تستحيل رؤية الهلال في أي موقع على الارض عدا غربي ‏أمريكا الجنوبية ، وفقط بالمنظار الفلكي.‏

لهذا فإن مساء الجمعة 21/8/2009م الموافق للتاسع والعشرين من شعبان هو الوقت المناسب للتحري بُعيد ‏غروب الشمس. إذ يرى الهلال لأول مرة في كل العالم ما عدا منطقتي سيبريا والسكا.‏

وبثبوت رؤية الهلال مساء الجمعة 21/8/2009م يكون يوم السبت هو غرة رمضان المعظم. ‏

حيث أن يوم الجمعة هو اليوم التاسع والعشرون المكمل لشعبان. وإن إدعاء أن هذا اليوم الجمعة هو أول ‏الشهر المكرم مردود لاستحالة ظهور الهلال ليلته، ومن ثم لعدم تلبيته نصوص القرآن الكريم والسنة ‏المطهرة. ‏

ينتهي شهر رمضان المعظم في 29 يوماً في مساء السبت 19/9/2009م، إذ يرى الهلال عندئذ بوضوح في ‏كل العالم الاسلامي ليكون الاحد 20/9/2009م أول ايام شوال (عيد الفطر المبارك).‏

التعليقات
أضف جديد بحث
أضف تعليقك
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
 

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."