مختارات عيد الفطر


د. بسطامي محمد سعيد خير

Young_Turks_468يبدو أن أول من تحدث عن الحاكمية في العصر الحديث هم المفكرون الأتراك، وسبب ذلك أن ‏تركيا كانت من أوائل المتأثرين بالفكر الغربي في أواخر عهد الدولة العثمانية. ويتضح من ‏تناول المفكرين الأتراك للحاكمية أنهم قد نحوا فيها نحوا توافق معهم فيه كثير من المفكرين ‏المسلمين المعاصرين، عن تأثير مباشر أحيانا، وعن توافق محض في أغلب الأحوال.‏

 

ولعل أول من بحث الحاكمية من مفكري الأتراك المعاصرين الصحفي نامق كمال (‏‎1840‎‏-‏‎1880‎‏)، أحد مؤسسى جمعية تركيا الفتاة ومن قادتها البارزين.‏‎1‎‏ وليس لنامق كمال كتاب واحد ‏يضم فكره، إنما بثه من خلال مقالاته الصحفية المتعددة. كان نامق كمال متأثرا بأفكار الثورة ‏الفرنسية إذ قد عاش فترة في باريس، وكان يؤمن بمبدأ حاكمية الشعب الذى نادى به روسو، ‏ولكنه سمّاه حاكمية الأمة بدلا من الشعب، وإن كانت نظرته له تختلف عن النظرة الغربية في ‏نواحي عديدة. فقد ناهض نامق كمال الحكم الاستبدادي المتتمثل في سلاطين الدولة العثمانية، ‏ورأى أن الحكومة الصالحة إنما تتأسس باختيار الشعب عن طريق البيعة، التي يتم فيها تفويض ‏السلطة إلى الحكومة، التى رأى أن من أهم واجباتها المحافظة على الحرية الفردية.‏‎2‎‏ وفي ‏إجابته على التسأؤل عن كيف يمكن للحكومة أن تحافظ على الحرية الفردية، ظهر الفارق بين ‏تفكيره والتفكير الغربي السائد؛ ففد ذهب نامق إلى أن الضمان الوحيد للحرية الفردية هو ‏القانون، ولكن مصدر القانون في نظره ليس هو الإرادة العامة للأمة كما زعم روسو، لأن ‏مفهوم الإرادة العامة غير محدد وغامض، وليس مصدر التشريع إرادة الأغلبية لأنها يمكن أن ‏تستبد وتتسلط على الأقلية، إنما ينبغي أن يكون مصدر التشريع مصدرا خارجيا، له القدرة على ‏تحديد الحسن والقبيح، وذلك المصدر عند المسلمين ما هو إلا الشريعة الإسلامية.‏‎3‎‏ وبهذا التمييز ‏فإن حاكمية الشعب أو الأمة في رأي نامق كمال مهمتها أن تحمى العدالة ولكنها لا تكون ‏مصدرا لها، "لأن الظلم ظلم ولو كان قد شرع ومورس بموافقة الشعب كله"‏‎4‎، وهو بذلك يتوافق ‏مع جذور تفكيره الإسلامي، وإن كان قد اقتبس فكرة الحاكمية من الغرب.‏

أما المفكر التركي الأخرالذي ناقش مسألة الحاكمية في ذلك العهد الباكر، فهو على سعاوي أحد ‏المعاصرين لنامق كمال ومن المؤسسين أيضا لحركة تركيا الفتاة. وقد وقف علي سعاوى من ‏مسألة الحاكمية موقفا مغايرا لنامق كمال، وهاجمه في فكرته عن حاكمية الأمة، وذهب إلى أن ‏الحاكمية بمفهومها الغربي الحديث لا يستحقها إلا الله عز وجل، وهكذا كان أول من نادى بأن ‏الحاكمية لله. يقول على سعاوي في مقال له عنوانه (الحاكم هو الله)‏‎5‎‏:‏

هناك مصطلح جديد نال شهرة كبيرة، وهو المصطلح الذي أطلق عليه اسم حاكمية ‏الشعب، وكلمة حاكمية أصولها بالفرنسية كلمة "سوفرنتى" المشتقة من اللاتينية... وإذا ‏تمعنا في معناها وجدناها تعنى "الفعال لما يريد" أو " الحاكم بنفسه" أو "الآمر المطلق" ‏أو "الفاعل المختار". حسنا! من هذا الذي يحكم بنفسه وله سلطة الأمر المطلق؟ لا شك أن ‏ذلك لا يمكن أن ينسب لأي شئ غير الألوهية، وعليه فإنه من المستحيل بهذا المعنى أن ‏يملك أي بشر سلطة الحاكمية.‏

وهكذا من الملاحظ نشأة اتجاهين في التفكير الإسلامي المعاصر عن الحاكمية، اتجاه جعلها من ‏حق الشعب أو الأمة، واتجاه حصرها كلية في الله وجعلها من خصائصه. وظل الفكر السياسي ‏الإسلامي حبيس هذين الموقفين يراوح بينهما ولا يعدوهما بين مفكر وآخر.‏

وينبغي هنا أن يضاف إلى ذلك موقف آخر جعل الشريعة هى الحاكمة، لعله امتداد لفكرة حاكمية ‏الله، وقد عبر عن هذا الموقف في عهد مبكر المفكر التركي الأمير سعيد حليم باشا (‏‎1863‎‏-‏‎1921‎‏). وقد جاء ذلك في عدد من مقالاته، من أهمها مقال له نشره بالفرنسية قبيل اغتياله ‏بعنوان (إصلاح المجتمع المسلم).‏‎6‎‏ من الواضح أن المقال كان قد كتب بعد أن شاهد الأمير ذيوع ‏وغلبة العلمانية على الدولة العثمانية، ومن ذلك مبدأ حاكمية الشعب، فنقد ذلك نقدا مرّا، ووصفه ‏بأنه أسطورة مثل الأساطير الأخرى التى قدمها الغرب عن الحاكمية . وقدّم الامير سعيد مفهوم ‏حاكمية الشريعة بدلا عن حاكمية الشعب. فكان مما قال:‏

إن هيكل النظام الإجتماعي في الإسلام بأكمله، يرتكز على قاعدة أساسية هي حاكمية ‏الشريعة... وقاعدة حاكمية الشريعة تعنى الاعتراف بحقيقة أساسية، هي أن كل موجود ‏في الكون أيا كان نوعه وماهيته، خاضع لقانون طبيعى خاصا به. وعليه فإن الجانب ‏الإجتماعي من حياة الإنسان خاضع لقوانين اجتماعية طبيعية، تماما مثل خضوع جانبه ‏المادى لقوانين طبيعبة مادية. وبذلك طبق الإسلام بنجاح مبدأ أن ليس للإنسان حاجة لأن ‏يخضع لقانون يضعه بشر مثله، لأن ذلك القانون لابد أن يكون مستبدا وجائرا في بعض ‏نواحيه، وإن كان قد صدر بالإرادة العامة للأغلبية؛ ولكن إنما عليه أن يخضع لإرادة ‏الخالق المتمثلة في قوانينه الطبيعية الاجتماعية والمادية.‏‎7‎

أما لماذا يستطيع الإنسان اكتشاف القوانين الطبيعية المادية التى تحكم حياته، ولا يستطيع ‏اكتشاف القوانين الخلقية الاجتماعية، فإن الأمير سعيد يذهب أن الإجابة على هذا السؤال تكمن ‏في الفرق بين الجانب المادي والجانب الإجتماعي الإنساني. فالإنسان يستطيع بموضوعية وعن ‏طريق الملاحظة والتجربة، أو ما يسمى بالعلوم التجريبية اكتشاف القوانين المادية؛ ولكن ‏الإنسان عاجز عن اكتشاف القوانين الإجتماعية لأن عواطفه تتحكم في تعامله في بحثها، كما أنه ‏لا يملك القدرة على إخضاع المجتمعات البشرية للملاحظة والتجربة الموضوعية التى يستطيع ‏أن يخضع بها الماديات. ومن رأي الأمير سعيد أن فشل الغرب في القوانين الاجتماعية أفضل ‏مثال على عجز الإنسان في هذه الناحية.‏‎8‎‏ ‏

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن المقال منشور في ترجمته الإنجليزية في مجلة هندية تصدر من ‏مدينة حيدرأباد في عام 1927. وتأتي أهمية ذلك في أن المودودي الذي كان له باع طويل في ‏تطوير فكرة الحاكمية عند المسلمين المعاصرين، كان مولده في مدينة حيدرأباد، وفيها نشا ‏وترعرع. وفي الوقت الذي نشر فيه المقال كان شابا عمره أربعة وعشرون سنة، وكان نشطا ‏في الكتابة وترأس تحرير عدد من الصحف اليومية في تلك الفترة. وبما أنه كان شغوفا بالمعرفة ‏وبالقراءة من مصادر متعددة منها الإنحليزية التى كان يجيدها، وبالتأمل والتفكير والنظر في ‏الأفكار الجديدة، وبما أنه كان من أعمدة الوسط الصحفي آنذاك، فمن السهل للمرء بالنظر لهذه ‏الملابسات والقرائن، أن يفترض أنه قد قرأ مقال سعيد حليم باشا عن الحاكيمة المنشور في مجلة ‏صادرة في المدينة التى كانت مسقط رأسه وبها شب ونشأ. ومع أن هذا الافتراض أمر محتمل ‏جدا لما يحيط به من ملابسات، إلا أنه يبقى مجرد تقدير قد يكون خاطئا إلا أن يوجد دليل قاطع ‏يثبت صحته. ولا أعرف أحدا ممن ترجم لحياة المودودي وتتبع تطوره الفكري قد اشار لتأثره ‏المباشر بالفكر التركي وخاصة في مسألة الحاكمية كما تناولها سعيد باشا في مقاله المذكور.‏

هوامش:‏

‏ 1. لمعرفة ترجمة حياة نامق كمال وفكره في المصادر التركية انظر ‏Berks، ‏Niazi، ‏The ‎Development of ‎Secularism in Turkey، ‏Montreal، ‏‎1969‎، ‏p. 209‎‏.‏

‎ ‎ ‏2. مقال نامق كمال بعنوان "وشاورهم" منشور في ‏‎20‎‏ يوليو ‏‎1878‎‏ في جريدة الحرية.‏

‎ ‎‏3.‏ ‏ مقال نامق كمال بعنوان حقوق الأمة منشور في ‏‎8/7/1872‎‏ في جريدة الحرية.‏

‎ ‎ ‏4. مقالات سياسية وأدبية، نامق كمال، اسطنبول، ‏‎1911‎، مترجمة في كتاب ‏Berks، ‏Niazi، ‏The Development of ‎Secularism in Turkey، ‏p. 211‎‏.‏

‎ ‎‏5.‏ ‏ منشور في جريدة علوم في ‏‎1/8/1869‎‏.‏

‏6.‏‎ ‎ ‏ ترجم المقال إلى الإنجليزية الكاتب الإنجليزي المسلم محمد ممدوك بكثال ونشر في مجلة ‏‏Islamic Culture، ‏‎Hayderabad Deccan، ‏no 1‎، ‏Jan 1927‎، ‏pp. 111-135‎‏.‏

‎ ‎ ‏7. نفس المصدر ص ‏‎112‎‏.‏

‎ ‎‏8.‏ ‏ نفس المصدر ص ‏‎214‎‏.‏

التعليقات
أضف جديد بحث
أضف تعليقك
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
 

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."