الأستاذ راشد الغنوشي – زعيم حركة النهضة التونسية

090932في كل مرحلة من تاريخ أمة من الأمم تسطع في سمائها نجوم تهدي الحائرين وقد تضيء سماءها حتى ‏لكأنها في رابعة النهار إذا كثروا واشتد وهجهم فامتد مخترقا الزمان والمكان، كأشبه ما يكون بالطاقة ‏المتجددة التي لا تنفد. تقديرنا أن صاحب الظلال سيد قطب ومجدد الفكر الخلدوني مالك بن نبي رحمهما الله ‏من هذا الصنف. ‏

 

فكلاهما تعددت اهتماماته، ولكن عينه كانت لا تتحول عن سؤال النهضة الحارق: لماذا تأخر المسلمون وتقدم ‏غيرهم؟ فكيف أجاب كل منهما؟ ومن خلال رحلة تتلمذي لهما، أين استقرت مركبتي منهما؟

‏1- ربما يكون المرحوم مالك بن نبي الخليفة الشرعي للعلامة عبد الرحمن بن خلدون رغم أن بن نبي ليس ‏مؤرخا، ولكنهما يشتركان في أن كليهما فيلسوف للتاريخ وللتاريخ الإسلامي بالذات، ولك أن تقول إن كليهما ‏مؤرخ حضاري، أعمل معوله في الحفر والتنقيب عن الأسس التي قامت عليها حضارة الإسلام وبها ازدهرت ‏وآتت ثمارها اليانعة، ومن أين دخل عليها الصقيع الذي جمّدها؟

ورغم أن ابن خلدون اتجه أكثر إلى العوامل السياسية والاجتماعية والدينية لقيام الدول والمسؤولة عن قوتها ‏وتلك المتسببة في ضعفها وانهيارها، فإن بن نبي أعمل فكره ضمن منظور أوسع من هذه الدولة الإسلامية أو ‏تلك، فهو يبحث في الظاهرة الحضارية ذاتها التي أفرغ لها جهده وشغل بها عمره، وهو ما يهبه تفردا في ‏الفكر الإسلامي المعاصر الذي شغل نفسه أكثر في البحث في الإسلام ذاته لينتهي جوابا عن سؤال النهضة ‏المؤرق: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟

إن سبب ذلك ابتعادهم عن حقائق الإسلام وتشوّهها في نظرهم، وهو ما يقتضي نقدا لما هم عليه من تدين، ‏بما قد ينتهي إلى تبديعهم في نظر كثير من المصلحين أو حتى تكفيرهم في نظر المتشددين، تمهيدا لدعوتهم ‏مجددا إلى كلمة التوحيد، كما ظهر ذلك على نحو ما في منظور بعض السلفيين وفي فكر سيد قطب في ‏مرحلته الثانية، بينما اتجه مالك بن نبي إلى حياة المسلمين وإلى تاريخهم يقلّب، كاشفا عن مواطن "التخلف" ‏فيهما، مقابل ما يجب أن يكونوا عليه من "تحضر"، إذ المسلم من هذا المنظور يمكن أن يكون متخلّفا كما ‏يمكن أن يكون متحضرا.. يمكن أن يكون عادلا عقلانيا في استخدامه لوقته ولكل إمكاناته المادية، كما يريد له ‏الإسلام، لكنه وهو المسلم المقيم لشعائره الدينية يمكن أن يكون ظالما مستهترا بالوقت وبالمال وبكل ‏الإمكانات المتاحة.‏

فالمسلمون حسب القرآن وفي الواقع "فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات"، ومقابل ذلك ‏يمكن لغير المؤمن أن يكون عادلا عقلانيا في حسن استخدامه للوقت وللإمكانات المادية، فيكون متحضرا، ‏كما يمكن أن يكون متخلفا ظالما مستهترا. ولذلك أقر المحققون من العلماء أن الملك -ولك أن تقول الحضارة- ‏لا يقوم إلا على العدل ولو مع الكفر، ولكنه لا يقوم على الظلم ولو مع الإيمان.‏

فحساب الإيمان مجاله الآخرة، رغم تأثيره في الدنيا المحكومة بحساب سنن الأعمال، من حسن وقبح وعدل ‏وظلم وإتقان وإهمال وجدّ وكسل، وشورى واستبداد.. بصرف النظر عن النوايا.. إنها السنن. قال تعالى "من ‏كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون" (هود).‏

‏2- لم أحظ بشرف لقاء صاحب الظلال رحمه الله، ولكني قرأت كل ما كتبه في أول اتجاهي الإسلامي إثر ‏تحولي من الاتجاه القومي وتأثرت به تأثر بالغا هو وشقيقه محمد رضي الله عنهما، ومررت على الموطن ‏الذي انتقد فيه سيد "كاتبا" اكتفى بنعته بالجزائري، وكان موضع النقد هو تمييز "الكاتب الجزائري" بين ‏الإسلام والحضارة على نحو يمكن معه أن يكون المسلم متحضرا كما يمكن أن يكون متخلفا.. انتقد سيد بشدة ‏هذا التمييز، لأن المسلم عند سيد قطب بالضرورة متحضر، إذ الإسلام بتعريفه هو الحضارة، وبالتالي فلا ‏تحضّر خارج الإسلام ما دام الإسلام هو الحضارة. وأصابتني الحيرة بعدما قرأت أعمال بن نبي، ولم يرتفع ‏عني كابوس الشك وتنحلّ عني عقدة الحيرة حتى قدمت إلى الجزائر وأنا في طريق عودتي من فرنسا عبر ‏إسبانيا أواخر 1969 حيث فجّرت آثار الأجداد الأندلسيين أعماقي.. كانت تلك هي زيارتي الأولى للجزائر، ولم ‏يكن عندي فيها مبتغى غير اللقاء بمالك، وكنت قد مسحت كتبه تقريبا.‏

كان بيتا متواضعا مفتوحا للزائرين.. وكان الحديث معه صعبا لأنه يفرض عليك صرامة عقلية شديدة، فهو ‏يستوقفك، حاملا إياك حملا على أن تكون متماسكا في طرحك، لا تلقي الكلام على عواهنه، فتفكر وتعيد ‏التفكير قبل أن تجرؤ على صياغة جملة، بين يديه.‏

سألته عن المسألة التي حيّرتني مسألة الإسلام والحضارة؟ فاستفاض في الشرح، حتى انجلت من نفسي كل ‏شبهة وانقشع كل التباس حول المسألة التي شددت إليه الرحال من أجلها، فخرجت من عنده وقد امتلأت ‏قناعة بأن هذه المسالة هي قطب الرحى الذي يتحرك حولها فكر الرجل وليست بالجزئية العارضة كما هي ‏عند الكثيرين، وذلك ضمن رؤية شاملة للحضارة الإسلامية ولواقع المسلمين وللواقع الدولي، بما يفتح أمامك ‏آفاقا رحبة للتفكير والتفسير، ويضع في يدك مفتاحا لما استغلق من كثير من الأسئلة والمعضلات في التاريخ ‏والواقع.‏

‏3- بعد تفكّر طويل وحيرة وتجاذب في نفسي بين الإمامين، تجلت في نفسي كالصبح مكانة الرجلين العظيمين ‏وموقع كل منهما.. أدركت أنني إذا ابتغيت تفسيرا لآي من كتاب الله وبخاصة التفسير البياني والمنظور ‏الشامل للسورة في ترابط وتماسك آيها ومحايثتها المستمرة للواقع باعتبارها قوة تغيير له وليس مجرد ‏تشخيص، فليس أولى من "السيد" صاحب "الظلال" أظفر عنده بمبتغاي ولكن دون اقتصار عليه أو استغناء ‏عنه.‏

أما إذا رمت بحثا وتفكيكا لظواهر التخلف والتحضر والوقوف على محركاتها في تاريخنا وواقعنا، فليس في ‏الفكر الإسلامي المعاصر ما يسعف وينير الطريق إلى الواقع وإلى كتاب الله خير من مالك بن نبي صاحب ‏سلسلة "الحضارة"، فإذا كان الحديث في الحضارة فلا يفتى ومالك في المدينة.‏

جواب سؤال النهضة: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ عند سيد واضح جلي: إن السؤال من أصله ‏خاطئ.. المسلمون تخلفوا لأنهم تركوا الإسلام، فينبغي دعوتهم إليه من جديد، فنعلمهم معنى لا إله إلا الله ‏باعتبارها منهج حياة. أما غيرهم فلم يتقدموا، بل هم في جاهلية جهلاء، لأن الإسلام هو الحضارة.‏

أما عند بن نبي فالأمر غير ذلك.. ليس الإسلام هو الحضارة، الإسلام وحي نزل من السماء بينما الحضارة لا ‏تنزل من السماء وإنما يصنعها البشر عندما يحسنون توظيف ملكاتهم في التعامل مع الزمان والمكان.. ‏الإسلام لا يصنع الحضارة بذاته، وإنما بالبشر عندما يفهمونه على حقيقته فيتولون التفاعل الجاد به وخلطه ‏بالتراب والزمان والمكان فيصنعون من ذلك حضارة. الحضارة الإسلامية هي هذا التفاعل الجاد بين الإنسان ‏والتراب والوحي.‏

قد ينجح المسلم في هذا التفاعل فيصنع الحضارة، وقد يفشل وهو المسلم وينجح غيره أي غير المسلم فينتج ‏حضارة بقيم ونيات غير إسلامية، لأنه أحسن التعامل مع سنن الله توظيفا جيدا لعقله وللوقت وللتراب.‏

‏4- لفكر مالك ارتباط وثيق بالظاهرة الاستعمارية التي ما كان لها أن تفشو في أمتنا لولا التخلف الذي منحها ‏‏"قابلية" التمكن فينا. ومالك متميز في الفكر الإسلامي المعاصر بتحليله للظاهرة الاستعمارية، وهو ما جعله ‏واحدا من أهم أعلام مفكري العالم الثالث مثل فرانس فانون والإيراني علي شريعتي.. مدرجا كفاح أمتنا ضمن ‏كفاح الشعوب المستعمرة، ومبشرا بعالم ثالث متحرر من قوى الهيمنة الشرقية والغربية، ومنظّرا لمؤسسات ‏عالمثالثية مثل الأفروآسوية ومؤتمر باندونغ، ومدافعا عن ثوار آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية ضد الاستعمار ‏الغربي، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين.‏

هذا البعد العميق في فكر بن نبي غائب في الأدبيات الإسلامية المعروفة، بما يدرجها ضمن التيارات المحافظة ‏التي لا تكاد ترى في الصراعات الدولية غير وجهها العقدي، وهو ما يحد من إمكانات لقائها بها وتحاورها ‏معها، فضلا عن التعاون والائتلاف والتحالف على أساس رؤية مشتركة جامعة للمقهورين ضد جلاديهم ‏المشتركين الإمبرياليين وعملائهم.‏

‏5- من هنا يأتي وجه آخر لأهمية مالك بن نبي في فتح آفاق الفكر الإسلامي المعاصر وحركاته على قوى ‏تحررية ثائرة ضد الظلم الدولي، مثل القوى المناهضة للعولمة وأخطبوطها الاقتصادي والثقافي والعسكري ‏وكذا القوى المدافعة عن البيئة، ولكنه منجم لم يستثمر وثروة ظلت معطلة.‏

إن فكر سيد قطب في مرحلته الأولى يلتقي تماما مع فكر بن نبي, فكر "العدالة الاجتماعية" و"صراع الإسلام ‏مع الرأسمالية" وقالاته الثورية العديدة.. حتى اعتبر أهم منظّري ثورة 1952، لكن الملابسات التي مرت بها ‏الثورة ومر بها سيد نفسه تكاد تكون أغلقت تلك الأبواب ولم تترك من منظور للصراع يبشر به سيد غير ‏الصراع العقدي أو السياسي، بينما تضاءل وانكمش حتى كاد يتوارى مكان الصراع الاجتماعي بين قوى ‏الاستكبار والاستضعاف على الصعيد المحلي والدولي، وهو ما بشرت به بعد ذلك الثورة الإسلامية في إيران ‏التي أفادت من فكر سيد في طوره الأول وفكر مالك بن نبي خاصة، فطرحت انطلاقا من الإسلام منظورا ‏للصراع الدولي بين قوى مستضعفة وقوى استكبارية، مزيحة الستار عن آية عظيمة من آي الذكر الحكيم ‏‏"ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. ونمكّن لهم في الأرض ‏ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون" (القصص: 5 و6).‏

‏6- ومن هنا تأتي مشروعية تخوف البعض مما اعتبرها عودة التيار القطبي في الإخوان ليحتل المواقع ‏الأولى.. خشيتهم أن يتمحور النضال في المجالات العقدية التربوية وأن يتأخر ترتيب القضايا الاجتماعية ‏والسياسية، قضايا العدل والحرية والانفتاح على القوى الأخرى، بما يضيق إمكانات التحالف مع القوى غير ‏الإسلامية المناضلة ضد الاستبداد والحيف الاجتماعي والتسلط الدولي على أمتنا، مع أن الخطاب الافتتاحي ‏للمرشد الجديد للإخوان المنسوب إلى التيار القطبي جاء مبشرا بالانفتاح على القوى الأخرى، داعيا إلى ‏التعاون معها على خير الأمة، على أساس فكرة المواطنة.‏

غير أنه رغم تغطيته لمساحات واسعة مجيبا إجابات مريحة عما أثير حوله من تخوفات، فإن المسألة ‏الاجتماعية مسألة الفقر التي يتلظى بها عشرات الملايين من المحشورين أحياء في قبور الأموات وفي ‏العشوائيات، تُنهبُ أرزاقهم ليل نهار من قبل عصابة الحكم والمال، لم تنل حظا من اهتمامات مرشد منسوب ‏إلى القطبية وإلى التمركز حول قضايا التربية والعقيدة، على أهميتها، بينما يعلم الجميع -وهو أولهم- أن ‏الجماعة التي هو مرشدها الثامن قد انطلق عمل مرشدها الأول ومؤسسها من فئة العمال وفاقدي الشغل ‏المتكدسين في مقاهي الإسماعلية، إلا أنها مع الزمن وبضغوط من هنا وهناك ارتحلت الجماعة عنهم رغم ‏أنهم كثروا جزئيا صوب نخبة المجتمع وطبقاته الوسطى المتعلمة تاركة وراءها الملايين، تلك التي كانت همّ ‏سيد قطب في طوره الأول.‏

‏7- إن فكر المحنة الذي رسم الخط العام لمنتجات الطور الثاني من حياة سيد وإن كان مادة جيدة لتثبيت جيل ‏من المناضلين مستهدف بالتدمير الجسدي والمعنوي من قبل قوى علمانية صاعدة على امتداد العالم بما جعله ‏فكر الغربة، لا يصلح بالضرورة غذاء للتيار الإسلامي وقد ملأت أنباؤه وفعاله السهل والوعر، حتى ألجأ ‏تيارات العلمنة وبخاصة الاستئصالية إلى جحر الضب، معتصمة بأدوات القمع مستقوية على شعوبها التي ‏‏"أسلمت حتى الرقبة"، وهو ما وصف به صديقنا المرحوم لويس كانتوري حالة مصر، أي ما بقي غير ‏الرأس (كشف سبر للآراء على موقع إخوان أون لاين طرح السؤال التالي: هل الجدار الأمني هدفه التضييق ‏على حماس أم حماية الأمن القومي المصري؟ أن 3.5%فقط هم من صوّت للخيار الأخير. ذلك هو حجم ‏القوى الحاكمة المنسلخة عن الأمة، فهل يصلح لتيار حقق هذا الانتشار أن يعتصم بأدبيات المحنة؟

‏8- وفي مرحلة لا تزال فيها الهجمة الإمبريالية زاحفة على منطقتنا، تكون الحاجة ماسة لدى أبناء التيار ‏الإسلامي أن ينفضوا الغبار عن تراث المرحلة الأولى خاصة من فكر سيد، وعن تراث بن نبي الذي لا يزال ‏مغتربا في الوسط الإسلامي الذي تجتاحه أمواج السلفية المتشددة مبشرة بمنظور عقدي ضيق لا يمكنه بحال ‏أن يستعيد الإجماع الضروري لأمة مستهدفة من قبل قوى الهيمنة الدولية، فما أحوجها إلى فكر الإجماع ‏لتواجه أعداءها المجتمعين عليها، بينما لا يحمل فكر التشدد في المحصلة غير نذر التحارب بين المسلمين، ‏وهو أعجز حتى على جمع كلمة المسلمين السنة، وهذا ما ظهر جليا في العراق وفي غيره، بله أن يجمع ‏الأمة بكل طوائفها لمواجهة العدو المشترك.‏

إنه يزرع حيثما حل التكفير والتبديع والتنابذ بين صوفي وسلفي وبين سلفي وأشعري وبين مذهبي ولا ‏مذهبي، فأنى يكون للمذاهب غير السنية من مكان خارج ميدان التقاتل مع أتباعها، فضلا عن الطوائف غير ‏المسلمة التي كانت عبر التاريخ جزءا من الأمة وحضارتها؟

‏9- إن الرؤى القائمة في الحركة الإسلامية متجهة بفعل الضغط السلفي إلى المزيد من الضيق، بما يجعل بأس ‏الأمة بينها، وهو الحاصل على امتداد عالم الإسلام، والجزائر مثلا أخذت منه حظا وافرا وكأن بن نبي لم يمر ‏من هنا، وأحسب أن تأثيره في الحركة الإسلامية التونسية والمغربية أشد منه في الإسلام الجزائري.‏

‏10- إن فكر مالك بن نبي يلتقي تماما مع فكر سيد في طور نضاله الاجتماعي الأول، فحري بالمربين ‏والقائمين على التوجيه الثقافي في الأمة أن يدركوا الخطر المزدوج على الأمة، خطر ثقافة العولمة والتحلل ‏مما كان قد دعاه فكر سيد في مرحلته الإسلامية الأولى في مقال له بديع "مواكب الفراغات" والذي يجعل من ‏قضية مباراة كرة قضية موت أو حياة تسحب السفراء من أجلها وما بقي غير تحريك الجيوش، بينما القدس ‏تضيع وغزة تخنق والثروات تنهب.. مقابل ذلك وأخطر منه فكر التشدد والتكفير، يلتقي فيه فكر المحنة ‏القطبي مع التسلف المتشدد.. يلتقيان في نقطة الرؤية المثالية العقدية لمشاكل المسلمين، واعتبار الطريق ‏الوحيد للإصلاح والمجال الوحيد للاصطفاف هو التمركز حول نخل العقائد والإعمال فيها بأدق الغرابيل حسب ‏أشد الرؤى تشددا، أي إعمال عمليات الطرح والضرب والقسمة في التعامل مع اختلافات المسلمين، بدل ‏عملية الجمع والبحث عن المشترك حسب تعبير فهمي هويدي، وذلك بدل وزن الناس والتيارات بأكثر من ‏ميزان: ظالم/عادل، صديق/عدو، مسالم/محارب.‏

فليس المسلم بالضرورة صادقا أو عادلا أو مسالما، وليس الكافر بالضرورة واقعا دائما في الخانات المقابلة, ‏لذلك صنف القرآن المؤمنين أصنافا "فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات.." (فاطر:32). ‏كما صنف الكافرين بين صديق يجب بره والتعاون والتحالف معه، وعدو يحذر منه "لا ينهاكم الله عن الذين ‏لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" ‏‏(الممتحنة:8).‏

التعليقات
أضف جديد بحث
ابو حمزة  - Canada   |69.172.125.xxx |2010-03-06 23:41:19
بارك الله فيك يا شيخنا على هذا الابداع في طرح هذا الموضوع الشائك :الاسلام بين الدين و الحضارة.خصوصا وأن الامر يتعلق بالمقارنة بين رؤيتين تكاد تكونان متقابلتين لعلمين لايشق لهما غبار في الساحة الاسلامي.وخطورة الامر أنه دين يعتقده المسلم و يرجو به القرب والرضى من الله .والادهى من ذلك ان له عواقب غاية في الخطورة على الواقع و المستقبل محليا و دوليا.
أضف تعليقك
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
 

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."